2013/09/05
مشاركة من فضيلة الشيخ أحمد الآلوسي جزاه الله تعالى خيراً.
:: هل مسّ المرأة الأجنبية ينقض الوضوء؟ ::
اختلف أهل العلم في نقض الوضوء بمسّ المرأة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنّ لمس المرأة ينقض الوضوء بكل حال، سواء كان اللمس بشهوة أم لا، وسواء قصد ذلك أم حصل سهواً أو اتفاقاً، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {— أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء —} [النساء/43].
والأصل في معنى اللمس أنه اللمس باليد.
وقد جاء في الأحاديث استعمال اللمس بمعنى لمس اليد، كما في قول النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ لسيّدنا ماعز رضي الله تعالى عنه: (لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ لَمَسْتَ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
وقوله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ: (وَالْيَدُ زِنَاهَا اللَّمْسُ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
ولكن هذه الأحاديث تدلّ على أنّ المسّ أو اللمس يطلق ويراد به ما دون الجماع، وهذا لا نزاع فيه، وإنما النزاع هل الملامسة في الآية يراد بها الجماع أو ما دونه؟ وهذه الأحاديث لا تدلّ على شيء من هذا.
وهذا القول هو أضعف الأقوال في هذه المسألة، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (إذا مسّ المرأة لغير شهوة فهذا ممّا علم بالضرورة أنّ الشارع لم يوجب منه وضوءاً ولا يستحب الوضوء منه) انتهى، الاختيارات (ص18).
القول الثاني: إنّ مسّ المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً سواء كان بشهوة أم بغير شهوة، وقد استدلوا على هذا بعدة أدلة:
1- أنّ الأصل بقاء الطهارة وعدم نقضها حتى يأتي دليل صحيح يدلّ على أنّ هذا الشيء ناقض للوضوء، ولا يوجد هذا الدليل هنا، وأمّا الآية فسيأتي أنّ المراد بها الجماع، وليس مطلق الملامسة.
2- عن السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وفي رواية أخرى بإسناد صحيح: (حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ مَسَّنِي بِرِجْلِهِ) الإمام النسائي رحمه الله تعالى.
3- وعنها رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: (فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً مِنْ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وفي رواية أخرى بإسناد صحيح: (فَجَعَلْتُ أَطْلُبُهُ بِيَدِي فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ سَاجِدٌ…) الإمامان النسائي والبيهقي رحمهما الله تعالى.
وظاهر هذه الأحاديث بلا شك أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ مسّ السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها وهو يصلي، ولو كان مسّ المرأة ناقضاً للوضوء لبطل الوضوء والصلاة.
وأجاب السادة الشافعية رضي الله تعالى عنهم وعنكم عن هذه الأحاديث جواباً ضعيفاً، إذ قالوا: لعله كان من فوق حائل!!
قال الشوكاني رحمه الله تعالى: وهذا التأويل فيه تكلُّف ومخالفة للظاهر.
4- وعنها رضي الله تعالى عنها (أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.
وضعّف هذا الحديث كثيرون: منهم سفيان الثوري ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل والدارقطني والبيهقي والنووي رحمهم الله تعالى.
فإنْ صحّ هذا الحديث فهو ظاهر جداً في الدلالة على هذا القول، وإنْ لم يصح فإنه يغني عنه الأحاديث الصحيحة السابقة، مع التمسّك بالأصل وهو صحة الطهارة، وعدم الدليل على نقض الوضوء بمسّ المرأة .
القول الثالث: فيه التفصيل الآتي:
إنْ كان المسّ بشهوة نَقض، وإنْ كان بغير شهوة لم ينقض، وأصحاب هذا المذهب حاولوا الجمع بين النصوص، الآية: {— أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء —} وهي دالة على نقض الوضوء بمسّ المرأة عندهم، والأحاديث التي استدل بها مَن رأى عدم النقض.
وهذا المسلك صحيح لو كانت الآية دالة على نقض الوضوء بمطلق المسّ – كما ذهبوا إليه – ولكنّ الصحيح في معنى الآية: أنّ المراد بها الجماع، كذا فسّرها سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، واختاره ابن جرير رحمه الله تعالى، وتفسيره رضي الله تعالى عنه مقدّم على تفسيره غيره، لدعاء النبيّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ له: (اللهم فقّهه في الدين وعلمّه التأويل) الإمام أحمد وأصله في البخاري، وانظر: محاسن التأويل للقاسمي (5/172) رحمهم الله تعالى.
وقد ورد في القرآن الكريم التعبير عن الجماع بالمسّ في غير ما آية:
قال تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} البقرة/236.
وقال سبحانه: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} البقرة/237.
وقال جلّ وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} الأحزاب/49.
ثمّ الآية عند التأمّل تدلّ على هذا القول (إنّ المراد بالملامسة فيها الجماع)، وبيان ذلك:
أنّ الله عزّ وجلّ قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ}المائدة/6، فهذه طهارة بالماء أصليّة صغرى، ثمّ قال: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} فقوله: {فَتَيَمَّمُواْ} هذا البدل، وقوله: {أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ} هذا بيان سبب الصغرى، قوله: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} هذا بيان سبب الكبرى.
ولو حملناه على المسّ الذي هو الجسُّ باليد، كانت الآية الكريمة قد ذكرت سببين للطهارة الصغرى، وسكتت عن سبب الطهارة الكبرى، مع أنه قال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ} وهذا خلاف البلاغة القرآنية.
وعليه: فتكون الآية دالة على أنّ المراد بقوله: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} أي: جامعتم، ليكون الله تعالى ذكر السببين الموجبين للطهارة. انتهى، من الشرح الممتع (1/240) بتصرف يسير.
وانظر: بدائع الصنائع (1/132)، الفقه المالكي (1/89)، المجموع (2/21).
وأرجح هذه الأقوال هو: إنّ مسّ المرأة إذا كان بشهوة نقض الوضوء وإلا فلا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الرد:
جزاك الله تعالى خيرا على هذه المشاركة القيمة، أسأل الله عزّ وجلّ أنْ يفقهنا في ديننا ويجعلنا من المتمسكين بهدي نبيّنا صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم برحمته إنه جلّ وعلا أرحم الراحمين.