2013/09/12

السؤال:

سيّدي حضرة الشيخ أسأل الله تعالى أنْ يحفظكم ويرفع مقامكم في أعلى عليين ويجعلكم ذخرا لنا وللمسلمين في الدنيا والآخرة بجاه سيّد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

س: رجل توفى وترك عليه ديْن كبير فقام أخوه أمام الناس وتكفّل بهذا الدين ثمّ بعد ذلك تخلّى عن أداء دين أخيه فهل في هذه تبرأ ذمّة الميت وتكون في ذمة أخيه الذي تكفّل أمام الناس أم تبقى ذمّة الميت مشغولة؟ وجزيتم عنا وعن المسلمين ألف خير.

 

الاسم: عمر سعد

الرد:

جزاك الله جلّ وعلا خيرا على دعواتك الكريمة وأدعو لك بمثلها.

ينبغي على ورثة الميت قضاء دينه فورا بعد الانتهاء من مراسيم دفنه وقبل تقسيم تركته بينهم، قال تعالى {…مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ…} [النساء/11]، وقال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وعَنْ سيّدنا جَابِرٍ رضي الله تعالى عنه قَالَ (تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَيْهِ فَقُلْنَا: تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَخَطَا خُطًى ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قُلْنَا: دِينَارَانِ، فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ فَأَتَيْنَاهُ فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُحِقَّ الْغَرِيمُ وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ: مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا مَاتَ أَمْسِ، قَالَ: فَعَادَ إِلَيْهِ مِنْ الْغَدِ، فَقَالَ: لَقَدْ قَضَيْتُهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

ونَقلُ الدَين من ذمّة جهة أو شخص لآخر تُسمّى في اصطلاح الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم حَوالة، والحَوالة بفتح الحاء وقد تكسر، مشتقة من التحويل، تقول: حال عن العهد إذا انتقل عنه.‏

وتصح الحوالة إذا أحال شخص الدَينَ على نفسه وَرَضيَ أصحاب الدَين؛ لأنّ المقصود ردُّ الحقوق إلى أهلها، وللدائن حقّ مقاضاة مَنْ أحال على نفسه الدَين إذا تنصل منه، وتبرأ ذمّة الميت وورثته من الدَين قضاءً (أي عن طريق الحكم الصادر عن القاضي) لا ديانة (أي لا عن الطريق الشرع الشريف إذ تبقى ذمّة الميت مشغولة بدَيْنِه إذا تنصّل مَنْ تكفّل بالسداد) للحديث الذي تشرفنا به آنفا.

وعليه فعلى ورثة الميت بعد أنْ تنصّل الأخ عن دفع دَين أخيه أنْ يُبادروا فورا بسداد دينه ممّا تركه لهم إنْ كان قد ترك شيئا، فإنْ لم يترك شيئا وجب عليهم أنْ يُسددوا ممّا يملكون فمَنْ له الغُنم فعليه الغُرم، أي كما أنّ الورثة يتمتعون بحقّ الإرث فعليهم واجب تحمّل مثل هذه التبعات.

ومن المناسب أنْ نستثمر هذه المناسبة ونُذكِّر أنفسنا والمسلمين جميعا بضرورة الابتعاد عن الدَيْن إلا لمَنْ أضطر إليه، فقد يدفع الإنسان حرصه على الدنيا والمنافسة فيها على الاستدانة للدخول في مشاريع وتجارات أكبر من حجمه ومدى تحمّله فيقع في المحذور، وقد أرشدنا الرحمة المهداة صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بعدم الحرص على الدنيا والمبالغة في طلبها فقال (أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى، وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (948) في هذا الموقع المبارك.

نسأل الله تعالى أنْ يقضي دَين المدينين من الأحياء والميتين، وأنْ يغفر لأموات المسلمين، وأنْ يرحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه، وأنْ لا يجعل ذمّتنا مشغولة لأحد من الناس لا في الدنيا ولا في الآخرة، إنه وليّ ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.