2013/09/14

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أثير نقاش حول النبيّ محمّد صلى الله عليه وسلم هل هو أميّ بمعنى لا يقرأ ولا يكتب؟ أو أنه يقرأ ويكتب ولفظ أميّ يطلق على العرب إذ أنهم كانوا أميين أي من الأمم التي ليس لها كتاب أو أميّ نسبة إلى مكة أم القرى؟؟؟

افتونا جزاكم الله خيرا

 

الاسم: صالح

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

قبل الإجابة على هذا السؤال لا بدّ من معرفة معنى كلمة الأمي، فهي في لغة العرب تدل على الذي لم يتعلم الكتابة وهو على جِبِلّة أمِّهِ، وبهذا الاعتبار: قيل للعرب: الأُمِّيُّون، لأَنَ الكِتابة كانت فـيهم عَزيزة أَو عَدِيمة.

وقال الله تعالى {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [سورة الأعراف/ 157].

قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره (قوله تعالى: الأمي.. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: كان نبيّكم صلى الله عليه وسلم أمّيا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب; قال الله تعالى {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت/48]).

قال المفسّر ابن كثير رحمه الله تعالى: أي قد لبثت في قومك يا محمّد من قبل أنْ تأتي بهذا القرآن عمرا لا تقرأ كتابا ولا تحسن الكتابة بل كلّ أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أميّ لا تقرأ ولا تكتب وهكذا صفته في الكتب المتقدمة كما قال تعالى {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} الآية، قال الله تعالى {وما كنت تتلو} أي تقرأ {من قبله من كتاب} لتأكيد النفي {ولا تخطه بيمينك} تأكيد أيضا .. وقوله تعالى {إذا لارتاب المبطلون} أي لو كنت تحسنها لارتاب بعض الجهلة من الناس فيقول إنما تعلم هذا من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أميّ لا يحسن الكتابة { وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان/5]

وقوله تعالى {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [سورة الجمعة/2].

قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره (قيل: الأميون الذين لا يكتبون، وكذلك كانت قريش، وروى منصور عن إبراهيم قال: الأميّ الذي يقرأ ولا يكتب “رسولا منهم” يعني محمدا صلى الله عليه وسلم .. وكان أمّيا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم صلى الله عليه وسلم، قال الماوردي: فإنْ قيل ما وجه الامتنان في أنْ بعث نبيّا أمّيا؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه:

أحدها: لموافقته ما تقدّمت به بشارة الأنبياء .

الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم, فيكون أقرب إلى موافقتهم.

الثالث: لينتفي عنه سوء الظنّ في تعليمه ما دعا إليه من الكتب التي سبقته، وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته).

وأما جاء في حديث صلح الحديبية: عَنِ سيّدنا الْبَرَاءِ رضي الله تعالى عنه قَالَ: (لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْبَيْتِ، صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا فَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ، السَّيْفِ وَقِرَابِهِ، وَلَا يَخْرُجَ بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَا يَمْنَعَ أَحَدًا يَمْكُثُ بِهَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، قَالَ لِعَلِيٍّ: اكْتُبِ الشَّرْطَ بَيْنَنَا، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ تَابَعْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْحَاهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا وَاللهِ، لَا أَمْحَاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى تعالى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: أَرِنِي مَكَانَهَا، فَأَرَاهُ مَكَانَهَا فَمَحَاهَا وكتب ابن عبد الله) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

وروى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه الحديث نفسه مع إضافة الراوي عبارة (وليس يحسن يكتب) كجملة اعتراضية فجاءت العبارة كما يلي: (فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب – وليس يحسن يكتب – فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله).

وقد علق الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره على ذلك بقوله: (قال علماؤنا رضي الله عنهم: وظاهر هذا أنه عليه الصلاة والسلام محا تلك الكلمة التي هي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بيده وكتب مكانها ابن عبد الله).

فقد يكون هذا من جملة معجزاته صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم حين كتب بيده وهو لا يكتب لأنه لم ترد سوى هذا الواقعة عنه عليه الصلاة والسلام بأنه قد كتب بيده.

لكنه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام كان يعرف أشكال الحروف فقد وردت أحاديث تدلّ على ذلك منها ما قاله الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: (ذكر النقاش عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب).

وأشار إلى حديث أبي كشة السلولي ومضمونه: أنه صلى الله عليه وسلم قرأ صحيفة لعُيَيْنة بن حصن وأخبر بمعناها.

وأضاف: ونقل عن القاضي عياض عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: أَلْقِ الدَّوَاةَ وَحَرِّفِ الْقَلَمَ وَأَقِمِ الْبَاءَ وَفَرِّقِ السِّينَ وَلَا تُعَوِّرِ الْمِيمَ وَحَسِّنِ اللَّهَ وَمُدَّ الرَّحْمَنَ وَجَوِّدِ الرَّحِيمَ.

قَالَ أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم: (وَهَذَا وَإِنْ لَمْ تَصِحِّ الرِّوَايَةُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرْزَقَ عِلْمَ هَذَا، وَيُمْنَعَ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ، قُلْتُ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْبَابِ أَنَّهُ مَا كَتَبَ وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا أَمَرَ مَنْ يَكْتُبُ، وَكَذَلِكَ مَا قَرَأَ وَلَا تَهَجَّى).

وأمّا في آخر حياته عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام فقد تعلّم الكتابة كما ذكر أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم، ويستأنس لهذا بقوله تعالى {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء/113].

لأنّه بعد ثبوت نبوّته صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم انتفت الشبهة السابقة فتمّ فضل الله سبحانه وتعالى على حضرته بأبي وأمي ونفسي هو عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام، هذا ما أرجحه.

والله جلّ وعلا أعلم.