2013/09/23
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فعندما يصمت اللسان ويطلق للقلم العنان ليعبر عن خفايا النفس ومكنوناتها نرى إبداع الخالق فينا وعندما ينساب القلم ويريح في مرفأه نرى قطرات الشهد تتساقط من بين الأنامل، عندما تكتبون نرى الإبداع الحق والمواهب المصقولة، نرى الفنون والجمال الذي تخطه أياديكم هنا في مرفأ القلم، نرى كلّ ذلك كلنا أمل أنْ نجد الفائدة والمعرفة وأنْ نرتشف من ينابيعكم قطرات تروي عطشانا للمعرفة ولينتفع جميع المسلمين من هذا الموقع المبارك إنْ شاء الله.
سؤالي هو: هل نحن مأمورين بكراهية اليهود والنصارى وفي نفس الوقت ممكن نتزوج نسائهم.
الاسم: عبدالعزيز نصيف جاسم المشهداني
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله عزّ وجلّ خيرا على دعواتك المباركة ومشاعرك الطيبة، وأسأله جلّ وعلا أنْ يوفقنا جميعا لخدمة هذا الدين العظيم برحمته إنه سبحانه أرحم الراحمين.
قال الحَكَمُ العَدْلُ جلّ جلاله وعمّ نواله {لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة/8-9].
يجب علينا لكي لا نقع في خلط أو لبس أو سوء فهم أنْ نُنَبِهَ إلى أمرين مُهمّين جداً:
الأوّل: المحبة أنواع فقد تكون شرعية وهي المحبة الدينية كمحبة الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم ومحبة أهل الإيمان، وقد تكون طبعية أو فطرية كالمحبة لأجل الخُلُق والقرابة والجمال وغيرها.
الثاني: الكفار أقسام فمنهم المحارب الذي قد يحارب بسلاحه أو لسانه أو قلمه، ومنهم غير المحارب الذي قد يكون معاهداً أو مستأمناً أو ذمّياً وهذا الاختلاف يترتب عليه اختلاف في الحُكْمِ وفي طرق التعامل معهم، كما دلّت عليه نصوص الشريعة، ومِنْ هنا أقولُ وبالله التوفيق وعليه الاتكال: إنّ القسمة المنطقية لمحبة الكافر كالآتي:
أولاً: محبة الكافر المحارب لأجل دينه وهذه محرمة بل ومخرجة مِنَ المِلّة، ذلك أنّ الرضى بالكفر ومحبته تناقض محبة الله تعالى والإيمان به جلّ جلاله وعمّ نواله، فهما نقيضان لا يجتمعان، قال الغنيّ الشكور عزّ ثناؤه {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر/7]، ودلّت النصوص على كُفْرِ مَنْ أحب الكافر لأجل دينه كما في قول العليم الخبير تعالى وتقدّس {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة/22]، وقال الولي الحميد جلّت عظمته {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة /51].
ثانياً: محبة الكافر غير المحارب لأجل دينه وهذه لها نفس الحكم الاوّل، لأنّ صورة المحبة واحدة في الصنفين، وهي المحبة للدين والرضى بالكفر.
ثالثاً: محبة الكافر المحارب لأجل الدنيا وهذه محرمة أيضاً كما دلّ ظاهر النصوص ومنها قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ} [الممتحنة /1].
فالآية تدلّ على عدم جواز إلقاء شيء مِنْ المودة إلى مَنْ كان معادياً للمسلمين ولو كانت المودة للدنيا، وقد نزلت في سيّدنا حاطب رضي الله تعالى عنه وأرضاه لمّا أخبر المشركين بعزم حضرة النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم على فتح مكة، وقد فعل ذلك ليصطنع عندهم يداً فيحفظوا ماله، فكانت مودته لهم للدنيا.
رابعاً: محبة الكافر غير المحارب لأجل الدنيا أي (محبّة طَبْعِيّة)، فظاهر النصوص تدلّ على جواز هذا النوع منها:
1- قال الودود الرحيم عزّ وجلّ في حق العلاقة بين الزوجين {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم/21]، وهذا عام في كلّ الأزواج، مسلمة أم كتابية، فإذا أجاز الشرع الشريف نكاح الكتابية وهي كافرة، فذلك يفيد جواز مودتها إذ الزواج متضمن للمودة فما كان للشرع الشريف أنْ يأذن بالزواج منها، ثمّ يمنع مِنْ مودتها.
2- أمره تعالى ببرّ الأبوين وصحبتهما بالمعروف ولو كانا مشركين، قال البَرّ الرحيم تقدّست صفاته {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان عليه السلام/15]، فالإحسانُ والبِرُّ والمعروفُ إليهما متضمن شيئا من المودة فهذه محبةٌ دنيوية ليست بدينية، وبسببها تكون هناك مصالح راجحة تبين إنصاف المسلم وسماحته حتى لمَنْ خالف دينه، فهي دعوةٌ إلى الإسلام سلوكياً فقد يسلم الأبوان والزوجة لأجل هذه المودة، بعكس ما لو حَلّ مكانها البغضاء والعداوة الكاملة ثمّ إنّ هذه المحبة لا تضر أصل الإيمان مِنْ كل وجه فهي أقرب ما تكون إلى الرحمة والشفقة وقد سُمّيَت بِراً وقسطاً ومعروفاً وإحساناً وهذه أمور مطلوبة في المسلم تجاه الكافر غير المحارب، لكنْ تجب ملاحظة أنّ هذه المحبة يجب بقاؤها في حدودها الدنيوية مِنْ غير إفراط لأنّ عدم ضبطها يُوقِع في المُحَرّم، وإنْ كان عدم التزام البعض بالضوابط لا يحوّل الشيء المراد ضبطه محرماً، كما أنّ الحب الطبيعي لا يتنافى مع البغض في الله تعالى فليس بغريبٍ اجتماع الحب مِنْ وجه والبغض مِنْ وجه آخر، فالإنسان يحب الدواء لمنفعته ويكرهه لمرارته، والمسلم يحب المسلم الظالم لإيمانه ويكرهه لظلمه وفسقه، ويبغض الكافر لكفره ويحبه لقرابته وليس في هذا التقرير دعوة لمحبة الكافر غير المحارب بل بيان أنّ مَنْ أحبّ لسببٍ مِنْ هذه الأسباب لم يقع في أمرٍ مكفّرٍ ما دام أنّه لا يساوي فيها الكافرَ بالمسلم.
وبهذا تبيّنَ أنّ محبة المحارب وغير المحارب لأجل دينه محرمةٌ مُكفّرِةٌ، وأنّ محبة المحارب لأمرٍ دنيويّ محرّمة، ومحبة غير المحارب لأمر دنيوي جائزة بشرط عدم مساواته بالمسلم، وصلى الله سبحانه وتعالى على قائد أهل العدل والإنصاف سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه الأشراف ما سار ركب للمدينة المنوّرة وبالكعبة طاف.
والله سبحانه وتعالى أعلم.