2013/09/27

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

السلام عليك حضرة الشيخ الفاضل وأسأل الله العلي العظيم أن يحفظك ويزيدك من علمه بغير حساب.

حضرة الشيخ نحن نعلم أنّ المرور من أمام المصلي لا يجوز، هل المقصود المرور من مكان سجوده؟ يعني هل يجوز المرور من أمام المصلي من مسافة متر من مكان سجوده؟

أرجو أن توضحوا لنا هذه المسألة وجزاكم الله خيراً.

 

الاسم: محمد رشيد

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله عزّ وجلّ خيرًا على دعواتك الطيبة وأدعو لك بمثلها.

قال الله سبحانه:-

{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [سورة البقرة: 238].

وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(مَا أَذِنَ اللَّهُ لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا، وَإِنَّ البِرَّ لَيُذَرُّ عَلَى رَأْسِ العَبْدِ مَا دَامَ فِي صَلاَتِهِ، وَمَا تَقَرَّبَ العِبَادُ إِلَى اللهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ جلاله.

ولأنّها الركن الثاني من أركان الإسلام بعد شهادة أنْ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأنّ سيّدنا محمّدًا صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم عبده ورسوله.

من هنا جاء اهتمام الفقهاء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم فبيّنوا أركانها وشروطها وهيئاتها، وعلى المسلم أنْ يحرص على تعلّم ما تصحّ به صلاته ووقوفه بين يدي ربّه جلّ جلاله وعمّ نواله، وقد ذكرت كثيرا منها في أجوبة الموقع المبارك فراجعها إنْ أحببت.

 

يُسْتَحَبُّ للمصلي أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى سُتْرَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ أعْلَمُهُ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَضَرِ، وَالسَّفَرِ، وَلَمْ يَخْشَ مَارًّا لِقَوْلِ سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ، وَلْيَدْنُ مِنْهَا) الإمام أَبُو دَاوُدَ رحمه الودود جلّت صفاته.

وصرف الوجوب إلى الاستحباب لمَا رَوَاهُ سيّدنا عبد الله بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما:-

(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ) الإمام أَحْمَدُ رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.

وَالسُّتْرَةُ: مَا يُسْتَتَرُ بِهِ، وَلَوْ يخط خطا لقوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-

(إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلِيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصَا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، وَلَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) الإمام أَحْمَدُ رحمه الله عزّ وجلّ.

وقال بعضهم:-

(إنَّها ليست بواجبة، وأنَّ الإنسان لو صَلَّى إلى غير سُترة فإنّه لا يأثم، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم؛ لأنّها من مكمِّلات الصَّلاة، ولا تتوقَّفُ عليها صحَّة الصَّلاة، وليست داخل الصَّلاة ولا مِن ماهيَّتها حتى نقول: إنَّ فقدَها مفسدٌ، ولكنّها شيء يُراد به كمال الصَّلاة، فلم تكن واجبة، وهذه هي القرينة التي أخرجت الأمر بها من الوجوب إلى الندب) الشرح الممتع على زاد المستقنع (3/276).

أمّا المَأموم فلا يُسَنُّ له اتِّخاذ السُّترة؛ لأنّ الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم كانوا يصلّون مع حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم ولم يتخذ أحدٌ منهم سترة.

ولكن هل يجوز المرور بين أيديهم؟ فقولان لأهل العلم رضي الله تعالى عنهم.

الأول: أنه لا يجوز أنْ يمرَّ بين أيديهم.

واستدلُّوا بقول سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لاَ أَدْرِي، أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

قالوا: وهذا عام.

الثاني: إنّه لا بأس بالمرور بين أيدي المأمومين.

 

واستدلُّوا بفعل سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أَنَّهُ قَالَ:-

(أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلاَمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.

وهذا الإقرار يخصص عموم حديث: (لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ)

فالصَّحيح: أنّ الإنسان لا يأثم، ولكن إذا وَجَدَ مندوحة عن المرور بين يدي المأمومين فهو أفضل، لأنّ الإِشغال بلا شَكٍّ حاصل، وتوقِّي إشغال المصلِّين أمرٌ مطلوب؛ لأنّ ذلك مِن كمال صلاتهم، وكما تحبّ أنت ألاّ يُشغلك أحدٌ عن صلاتك فينبغي أنْ تُحبَ ألا تُشغلَ أحدًا عن صلاته؛ لقول النبيِّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه.

ويستحب قربه منها؛ لأنّه صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-

(صَلَّى وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ) الإمام النسائي رحمه الله جلّ في علاه.

ولحديث سهل بن أبي حثمة رضي الله تعالى عنه يبلغ به النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام قال:-

(إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّ جلاله.

وعن سيّدنا سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال:-

(كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه.

ويُسنّ له ردّ المار بين يديه بدفعه بلا عنف آدميًا كان أو غيره، فرضًا كانت الصلاة أو نفلاً، لقول النبيّ الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.

وهذه الأحكام يعمل بها في الأحوال الاعتيادية، فإذا خرجت عن هذا الوصف فيُتساهل فيها فيجوز المرور بين يدي المصلي بلا كراهة ولا إثم.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الميامين.