2013/09/27

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.

السلام عليك يا شيخي الكريم، أريد أنْ أسأل لماذا نغيّر مكاننا بعد صلاة الجماعة؟ إني أشاهد في المسجد بعد أنْ نصلي صلاة الجماعة الكلّ يغيّر مكانه إما أنْ يتقدّم أو يتأخّر ويصلي صلاة السنّة، هل هي سنّة عن سيّدنا رسول الله صلى الله علية وآله وسلم؟

وجزاكم الله خيرا.

 

الاسم: محمد رشيد

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

إنّ في تغيير مكان الصلاة في المسجد الالتزامَ بما وجّه إليه سيّد الأنام عليه الصلاة والسلام وعلى آله وأصحابه الكرام للإمام والمأموم والمنفرد.

أما بالنسبة للإمام فقوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (لا يُصَلِّ الإمام في الموضع الذي صلّى فيه حتى يتحّول) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى، أي ينصرف وينتقل عن ذلك الموضع.

وأمّا بالنسبة للمأموم والمنفرد فقوله صلى الله تعالى وسلم على ذاته وصفاته وعلى آله وصحابته (أيعجزُ أحدُكم إذا صلى أنْ يتقدّم أو يتأخّر أو عن يمينه أو عن شماله) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى، ولِمَا رواه سيّدنا عبد الرحمن بن شبل رضي الله تعالى عنه إذ قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأنْ يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى. وقوله (وأنْ يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير) معناه: أنْ يألف الرجل مكانا معلوما من المسجد لا يصلي إلا فيه كالبعير لا يأوي من عطنه إلا إلى مبرك دَمِث قد أوطنه واتخذه مناخا لا يبرك إلا فيه.

وهذا الفعل مكروه، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (وحكمته أنْ يؤدي إلى الشهرة والرياء والسمعة والتقيّد بالعادات والحظوظ والشهوات، وكلّ هذه آفات أي آفات فتعيّن البُعد عمّا أدّى إليها ما أمكن) عون المعبود شرح سنن أبي داود رحمه الله عزّ وجلّ (3/73).

وقال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: (وعلة النهي عن المواظبة على مكان في المسجد ما سيأتي في الباب الذي بعد هذا من مشروعية تكثير مواضع العبادة) نيل الأوطار (3/240).

ويستأنس لهذا بقول الله تبارك وتعالى {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة/4]، أي تُخبر بما عُمِلَ عليها، وبقوله جلّ وعلا {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان/29].

وفي هذه الآية الكريمة الكثير من الحقائق الإيمانية منها: أنّ السماء والأرض تبكيان على أناس ولا تبكيان على آخرين، وسبب بكائهما من عدمه يعود إلى الأعمال، فمَنْ كانت له أعمال صالحة على الأرض وتصعد إلى السماء ثمّ مات بكتا عليه، وإنْ لم يكن فلا، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (ما من مؤمن إلا وله بابان: باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه فذلك قوله عزّ وجلّ {فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

وقال مجاهد رحمه الله جلّ وعلا: (ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا، قال: فقلت له -أي قال لسيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما- :أتبكي الأرض؟ فقال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد، كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد، كان لتكبيره وتسبيحه فيها دويّ كدويّ النحل؟) تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى.

لهذا يُسنّ للمصلي أنْ يكثر من بواكيه ويشهد له عند الله تعالى يوم العرض عليه، وذلك بتعدد الأمكنة التي يصلي فيها.

لكن إذا كان هناك سبب يقتضي هذا التوطّن فلا مانع كما ثبت ذلك عن سيّدنا سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه (كان يتحرّى الصلاة عند الاسطوانة التي عند المصحف) والسبب في ذلك ذكره فقال: (رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرّى الصلاة عندها) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

علما أنّ بعض العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم قد حمل حديث سيّدنا سلمة رضي الله تعالى عنه على النفل، وحديث النهي على التوطن مطلقا.

والله جلّ وعلا أعلم.