2013/10/06

مشاركة من السيد عبدالعزيز  جزاه الله تعالى خيراً

:: دروس من مثَل ::

ضرب الله تعالى لنا بالذباب مثلا في كتابه الكريم في قوله سبحانه وتعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج/73-74]

ونستطيع أنْ نستخلص من هذا المثل الدروس التالية:

1. الذبابة لصغر حجمها، وصفها القرآن الكريم بالضعف بعد أنْ وصفها بالسلب، فالذباب عندما يسلب منّا شيئاً سواء كان مِن طعامنا أو شرابنا أو مِن دمنا – إنْ كان من نوع مصّاص الدماء – فإننا لا نستطيع أنْ نستردّ منه ما سلبه سواء أخذه وطار أو مسكناه أو قتلناه فإننا في جميع الحالات لا نقدر على ردّ حقوقنا، وقد كشف لنا العلم الحديث عن قابلية الذباب على فرز الهواضم على جزئيَّات طعامه؛ لأنّه لا يملك جهازًا هضميًّا, فهو يهضم الطعام في مكانه قبل أنْ يمتصّهُ بخرطومه؛ ولذلك فإنّه متى سلب شيئًا وامتصَّه, فقد سلبه متغيِّرًا متحوِّلاً تعجز كلّ وسائل العلم وأجهزته عن استنقاذه منه .

2. على الرغم من صغر حجمها وضعفها فقد تبيّن في العلم الحديث أنّ عدد الميكروبات الضارة التي أحصاها أحد العلماء في شعر ذبابة واحدة هو ستة ملايين وستون ألف ميكروب، وهناك من العلماء من عثر على خمسين مليون ميكروب على جسم ذبابة واحدة، لذلك فإنّ الذباب لم يوضع في هذا المثَل في موضع تحقير له؛ لأنّ المراد ليس تحقيره, وإنما المراد تحقير الذين يُدْعَوْنَ مِنْ دون الله تعالى, وتحقير مَنْ يَدعُونهم ويلتمسون النفع والخير عندهم, وبيان ضعفهم وعجزهم عن خلْق ذُبَابة واحدة رَغْمَ اجتماعهم, وعن استنقاذ ما يسلبهم الذُّبَابُ من أشياء رغم تفاهتها.

3. وتحدّى ربّنا جلّ جلاله كلّ الخلائق لعجزهم على خلق ذبابة ولو اجتمعوا لذلك، فهي مخلوق لله الواحد الأحد الخلاّق العليم لا يقدر غيره سبحانه أنْ يخلق مثله؛ فرغم ضآلة حجمها إلاّ أنّ العلم الحديث كشف الأعاجيب في بدائع خلقها منها ما ذكرناه آنفا ومنها:

أنّ للذباب عيونا كبيرة تحتوي على ست آلاف بنية عينية سداسية يطلق عليها اسم: العوينات, وتأخذ كلّ واحدة من هذه العوينات منحى مختلفًا: إلى الأمام, أو الخلف, وفي الوسط, وفوق, وعلى جميع الجوانب, ويمكن أنْ يرى كلّ ما حوله من جميع الجهات, وأنْ يشعر بكلّ شيء في مدى رؤية زاويته ثلاثمائة وستين درجة, وتتصل ثمانية أعصاب مستقبلة للضوء بكلّ واحدة من هذه العوينات, وبهذا يكون مجموع الخلايا الحساسة في العين حوالي ثمانية وأربعين ألف خلية, يمكنها أنْ تعالج مائة صورة في الثانية.

ومنها: أنه يتمتع بقدرة فائقة على الطيران لا نظير لها، عجز عن تقليدها وتقليد قابليتها على المناورة في الجوّ خيرة خبراء الطيران؛ ففي البداية يقوم الذباب بمعاينة الأعضاء التي سيستخدمها في الطيران, ثمّ يأخذ وضعية التأهُّب للطيران؛ وذلك بتعديل وضع أعضاء التوازن في الجهة الأمامية, وأخيرًا يقوم بحساب زاوية الإقلاع معتمدًا على اتجاه الريح التي يحدّدها بوساطة حساسات موجودة على قرون الاستشعار, ثمّ يطير محلقًا في الفضاء، وهذه العمليات مجتمعة لا تستغرق منه أكثر من جزء واحد في المائة من الثانية, ويسلك أثناء طيرانه مسارًا متعرجًا في الهواء بطريقة خارقة؛ كما يمكنه أنْ يقلعَ عموديًا من المكان الذي يقف فيه, وأنْ يحطّ بنجاح على أيّ سطح بغض النظر عن انحداره أو عدم ملائمته.

تقوم الحسَّاسات الموجودة تحت الأجنحة والرأس بنقل معلومات الطيران إلى الدماغ, فإذا صادف الذباب تيارًا هوائيًا جديدًا أثناء طيرانه, تقوم هذه الحسَّاسات بنقل المعلومات الجديدة في الحال إلى الدماغ, وعلى أساسها تبدأ العضلات بتوجيه الأجنحة بالاتجاه الجديد.

وبهذه الطريقة يتمكّن الذباب من الكشف عن وجود أيّ عدوّ له بتوليد تيار هوائي إضافي, والهرب إلى مكان آمن في الوقت المناسب، ويحرِّك جناحيه مئات المرات في الثانية, وتكون الطاقة المستهلكة في الطيران أكثر مائة مرّة من الطاقة المستهلكة أثناء الراحة.

ومن هنا يمكننا أنْ نعرف أنّ الذباب مخلوق قوي جدًا؛ لأنّ الإنسان يمكنه أنْ يستهلك طاقته القصوى في الأوقات الصعبة (الطوارئ) والتي تصل إلى عشرة أضعاف طاقته العادية فقط ولبضع دقائق فقط كحدٍّ أعلى, بينما الذباب يمكنه أنْ يستمر على هذه الوتيرة لمدّة نصف ساعة؛ كما يمكنه أنْ يسافر بهذه الطاقة مسافة ميل, وبالسرعة نفسها.

ومن الخصائص الأخرى التي يتمتع بها الذباب: تعلّقه بسقف المنزل, فبحسب قانون الجاذبية يجب أنْ يقع إلى الأسفل؛ إلا أنه خلق بوسادات شافطة على رؤوس أقدامه تفرز سائلاً لزجًا, وعندما يقترب من السقف يقوم بمدّ سيقانه باتجاه السقف, وما أنْ يشعر بملامسته حتى ينقلب ويمسك بسطحه.

وعنده صلاحية عالية للتحميل بآلاف القنابل الجرثومية الفتاكة المعبأة بجراثيم: شلل الأطفال, وبكتيريا الكوليرا, والجذام, والتدرُّن الرئوي (السل), والتيفوئيد, والباراتيفوئيد, وجراثيم الإسهال, والرمد الصديدي, هذا إلى جانب نقل بيض بعض الديدان والطفيليات.

ومن العجيب أنّ جسم الذباب يحمل قنابل مضادة لمفعول الجراثيم السابقة, حيث يحمل قنابل الفيروس, ملتقم البكتيريا (البكتيريوفاج) الذي يخترق جسم البكتيريا ويتكاثر بالتضاعف داخلها, ثمّ يفجّرها ويحطمها ويقضي عليهما.

هذا هو الذُّبَابُ خَلْقٌ من خَلْقِ الله جل وعلا {فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [لقمان عليه السلام/11].

ويقول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم في الحديث الذي يرويه عن ربّه سبحانه (قال الله عزّ وجلّ: ومَن أظلم مِمّن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبّة أو شعيرة) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

4. أعطى سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم حكما يدلّ على عالمية الإسلام، وأنه لكل زمان ومكان، ولكل الأشخاص في جميع الأحوال، وأنه دين الرحمة والعفو، وأنه دين اليسر والتيسير والرفق، وأنه دين حياة؛ حيث قال (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمِسْهُ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْأُخْرَى شِفَاءً) الإمام البخاري رحمه الله تعالى..

المسلّم به شرعاَ أنه عند وقوع ميتة في طعام أو شراب فإنّه يصبح نجسا فلابد من إلقائه وعدم أكله؛ لأنّ أكل النجس حرام، هذا هو الحكم الأصلي، واستثني منه هنا الذباب لأنه بشيوعه وعموم البلوى به، ورأفة بالفقراء في دول الجفاف أو البدو، أو حين وقوع الكوارث والحروب والمجاعات؛ فلو وقع الذباب في إناء واحد منهم ولم يكن الحكم جواز تناول ما فيه لوجب عليه أنْ يهدره وهو في أشد الحاجة إليه، فكان وراء هذا الحديث حكماً رحيماً بآخرين، ليس فيه إلا التخفيف عمّنْ ابتلى بشيء من ذلك.

ثمّ جاء العلم الحديث ليكشف أنّ في جناح الذبابة جراثيم تسمّى: باكتريوفاج. أي مفترسة الجراثيم, وهذه المفترسة للجراثيم أو عامل الشفاء صغيرة الحجم, يقدر طولها بعشرين إلى خمسة وعشرين ملّي ميكرون, فإذا وقع الذباب في الطعام أو الشراب, وجب أنْ يغمس فيه؛ لكي تخرج تلك الأجسام المضادة فتبيد الجراثيم، وهذه المضادات واسعة الطيف وقوية التأثير, وشبيهة بالمضادات الحيوية.

والآن هناك عدد كبير من مزارع الذباب في ألمانيا, حيث يتم تحضير بعض الأدوية التي تستعمل كمضاد للجراثيم والتي أثبتت فعالية كبيرة, وهي تباع بأسعار مرتفعة فيها.

5. بهذه الصفات في خلق الذبابة والتي جعلتها كثيرة منتشرة بالرغم من كلّ أنواع المقاومة التي عرفها الإنسان ابتداء من (المهشة) وانتهاء بالمبيدات الحشرية المنتشرة في العالم، والحملات التي شنّت للقضاء على الذباب، ولأنّ الذباب يقف على كلّ شيء، على الأقذار وعلى الطعام وعلى الأجسام، على السائل والجامد، لا يبالي أين وقف، ويمكن مع كثرته لا نعرف على ماذا يقف على حلوى أو قمامة؟ ولذلك في عالم الإنسان لم تكن الكثرة أبدا مقياساً للحقّ، فكم رأينا باطلاً قد التفّ الناسُ حوله التفافَ الذباب على القمامة، وكم رأينا حقا قد خلا من أيّ تبع، قال تعالى {قُل لاَّ يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ} [المائدة/100].

وقال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: (عُرِضَتْ عَلَىَّ الأُمَمُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلاَنِ وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَد —) متفق عليه، فالحقّ حقّ ولو لم يتبعه أحد، والباطل باطل ولو اتبعه الناس أجمعون.

6. بقي أنْ نعرف أنّ حشرة الذباب سُمِّيت بذلك لأنّ هذا النوع كلما ذبّه الإنسان عنه وأبعده فإنه يعود إليه، ولا يدرك الذباب أنه غير مرغوب فيه، ويُحكى أنّ بعض الخلفاء سأل الشافعي رضي الله تعالى عنه، وكانت ألحّت عليه ذبابة: لأيّ سبب خُلِق الذباب؟ فقال: مَذلّة للملوك، قال الشافعي: سألني ولم يكن عندي جواب فاستنبطته من الهيئة الحاصلة.

{ربّنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النّار} [آل عمران عليهم السلام/191]، وصلّى الله تعالى وسلّم على نبيّنا وحبيبنا وشفيعنا {محمّد} الأميّ الذي علّمه الله تعالى علوم الأوّلين والآخرين فكان خير معلّم للبشرية لما فيه خيرها وسعادتها والحمد لله ربّ العالمين .

المصادر:

1. مقال قديم لفضيلة الشيخ الدكتور علي جمعة، منشور على موقع الفيسبوك (أحباب د.علي جمعة) يوم 14 أيلول 2013.

2. مقال (مثل العاجز عن خلق الذباب) للأستاذ محمد عتوك، منشور على موقع (موسوعة الأعجاز العلمي في القرآن والسنة).

الاسم: عبدالعزيز /أبو عمر

الرد:

جزاك الله تعالى خيرا على هذه المشاركة اللطيفة، وأسأله جلّ وعلا أنْ يجعلنا ممّن قال فيهم {…فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة/124]، إنه سبحانه خير المأمولين وأكرم المسئولين.