2013/10/10
السؤال:
السلام عليكم سيدي ورحمة الله وبركاته، أدعو الله تعالى أنْ يرفع مقامكم في أعلى عليين، وينفع بكم الإسلام والمسلمين أين ما حللتم ورحلتم، ويجعلكم لنا ذخرا في الدنيا ويوم الدين، ويجزيكم عنا وعن المسلمين خير ما يجزي به عالما عن أمة خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والتسليم آمين.
سؤال: سيّدي إذا رفع المحامي قضية عن موكله مقابل أتعاب يتقاضاها عاجلا أم آجلا، فحسمت القضية لصالح موكله، ثمّ حكمت المحكمة عند إصدار القرار بثبوت الحق لموكله بأتعاب أخرى لنفس المحامي بنسبة 10% من قيمة القضية المتنازع عليها يدفعها الخصم على أنْ لا تتجاوز عن (500,000) دينار، فهل هذه الأتعاب الأخيرة المستقطعة من الخصم جائزة شرعا أخذها من قبل المحامي؟
الاسم: عبد الرزاق علي حسين
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأشكر لك دعائك وأسأل الله تعالى أنْ يجعل لك منه نصيبا موفورا.
وبخصوص سؤالك أودّ أنْ ابتدأ له بهذه المقدمة فأقول:
المحامي هو الشخص الذي يمثل أفرادًا من عامة الناس في الشؤون القانونية، وتستغرق دراسة المحاماة عدّة سنوات، كما تتضمن فترة من العمل مع محام آخر للتدريب العملي على المهنة، وتشمل واجبات المحامي كثيرًا من المسائل القانونية، بما فيها العقود والوصايا والأضرار البدنية والشؤون التجارية، ويعمل المحامي على تفادي المقاضاة، عن طريق تقديم المشورة القانونية، التي تبقي الموكل بعيدًا عن المشكلات، والعمل على تسوية القضايا ودِّيًا، ويحقّ قانونًا لأيّ شخص أنْ يمثل نفسه في أيّ محكمة من المحاكم، لكن السلطات تقول: إنه ليس ذلك من الحكمة بالنسبة للشخص غير المتدرّب، إلا في محاكم المطالبات الصغيرة أو المحاكم الأخرى، حيث تكون الإجراءات غير رسمية.
وعادة ما يقوم الموكِّل بتوكيل المحامي مقابل دفع رسوم، وبهذا يصبح مُلزَمًا قانونا وشرعا وأدبا بتمثيل الموكِّل في القضية، ولا يجوز للمحامي أنْ يتلَّقى مثل هذه الرسوم من الخَصم.
وعندما يأخذ المحامي وكالة عامة، فإنه لا يستطيع تقديم خدماته لأيّ شخصٍ آخر، تتعارض مصالحه مع مصالح الشخص الذي منحه الوكالة.
وهذا التوكيل ليس فيه مانع شرعي بل نجد القرآن الكريم يحث الناس على القول السديد الذي فيه مصلحة أهل الحقوق، ومنه قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} (الأحزاب/70-71).
والقاعدة العامة في الكسب هي المبينة في نصوص الكتاب الكريم والسنة المطهرة ومنها قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ…} (من سورة النساء/29)، وصور أكل أموال الناس بالباطل اليوم كثيرة منها بيع الوظائف المبيّن حكمها في جواب السؤال المرقم (1649)، والتقصير في إيصال الحقوق في الميراث والوصايا، ومنع توريث النساء وأكلّ حقوقهن، والنصب والاحتيال وغيرها.
وبيّن صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم ذلك بصراحة في قوله (إنكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم ألحن بحجته من بعض فمَنْ قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
وفقهاء الشريعة الإسلامية نظروا نظرة شرعية واجتماعية وأخلاقية إلى المهن التي يحتاجها المجتمع، واعتبروا العمل واجباً دينياً وفرض كفاية لا تتم مصلحة الناس إلا به، فإذا لم يقم أحد بهذا الواجب لحق بالمجتمع إثم على هذا التقصير فيكون الوجوب قائماً ما دام المجتمع محتاجاً إلى هذه الأعمال، وهذا المفهوم مبني على مبدأ وحدة المجتمع وتضامنه وتكافله والإصلاح بين أفراده، قال تعالى {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء/114]، وقال سبحانه {… وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة/2].
وعليه لا يجوز للعامل – المحامي – أنْ يفرض أجراً مرتفعاً مستغلاً حاجة الناس إلى عمله، كما ينبغي على الناس أنْ يعطوا هذا العامل – المحامي – كامل حقه دون نقص قبل أنْ يجف عرقه، قال نبيّنا الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (أعطِ الأجيرَ أجرَهُ قبلَ أنْ يَجفّ عرقُهُ) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى.
قال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى: (إنّ ما يأخذه المحامي رزق حلال إنْ كان لرفع الحق، لأنّ ما يأخذه على عمل وهو ثمن لمنفعة استوفاها الموكل) أجرة المحامي، محمد أبو زهرة، مجلة لواء الإسلام، العدد الأول من السنة الثانية – رمضان 1368هـ يونية 1949، ص44.
كما أنه يدخل في بيع المنافع وهو جائز على رأي جمهور الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
أما بخصوص سؤالك عن الأتعاب المستقطعة من الخصم، والتي يعتبرها القانون حقوقا قانونية، ويعطى المحامي منها 10% على أنْ لا تتجاوز (500) ألف دينار عراقي وهو يساوي بالوقت الحالي (416) دولارا، وكذلك بعض الرسوم وأجور الخبير القضائي إنْ وجد وغيرها مما تفرضه المحكمة على من خسر الدعوى.
هذه الحقوق فيها مصالح ومنها:
1- أنها تحثّ المحامي على استكمال إجراءات الدعوى بسرعة.
2- أنّ فيها زجرا معنويا وماديا للخصم المتعدي على حقوق الآخرين، حيث يخسر القضية من جهة ويخسر هذه الأتعاب المالية التي تفرضها المحكمة عليه، فهذا الزجر يجعله يكفّ شرّه عن الناس ولا يعود للتعدي مرّة أخرى.
ويدخل هذا في العقوبات (التعزيرية) التي أذن الشرع الشريف للقضاة بها حسب ما يرونه في ردع المتجاوزين على حقوق الله تعالى وحقوق عباده، وبناءً على كل ما سبق تكون هذه النسبة جائزة شرعا إنْ كان الخصم بالفعل متعديا وظالما، وتكون حراما إنْ علم المحامي أنه أخذها ظلما وتعديا منه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.