2013/10/16

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله سيّدي حضرة الشيخ سعد الله وبارك الله لكم، سيّدي ما صحة حديث قوله صلى الله عليه وسلم (أبدال أمتي أربعون اثنان وعشرين منهم في الشام وثمانية عشر في العراق…) وهل يقصد صلى الله عليه وسلم بالأبدال المرشدين أم غيرهم؟ وما خصوصياتهم؟ وجزاكم الله خيرا سيدي.

 

الاسم: محمد خليل الراوي

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته وبارك فيك وجزاك كلّ خير.

حديث (البُدلاء أربعون اثنان وعشرون بالشام وثمانية عشر بالعراق كلّما مات واحد منْهم أبْدَل الله مكانه للساعة فإذا جاء أمر الله قُبِضوا كلُّهم فعند ذلك تقوم الساعة) ذكره الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في الموضوعات، كما في اللآلي المصنوعة.

وقد جاء في هذا عدة أخبار منها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف ومن طرق متعددة وإذا تعددت طرق الحديث رفعته إلى درجة الحسن لغيره، وبغض النظر عن البحث والتحقيق في طرقها وأسانيدها يتبيّن بدون أدنى شكّ من مجموع طرقها وجود أصل عظيم لأمر الأبدال رضي الله تعالى عنهم ونفعنا بهم.

فعن شُرَيْحٌ يَعْنِي ابْنَ عُبَيْدٍ قَالَ (ذُكِرَ أَهْلُ الشَّامِ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ بِالْعِرَاقِ فَقَالُوا الْعَنْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْأَبْدَالُ يَكُونُونَ بِالشَّامِ وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا يُسْقَى بِهِمْ الْغَيْثُ وَيُنْتَصَرُ بِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَيُصْرَفُ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ بِهِمْ الْعَذَابُ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

وعن يزيد بن أبي مالك عن شهر بن حوشب قال (لَمَّا فُتِحَتْ مِصْرُ، سَبُّوا أَهْلَ الشَّامِ، فَأَخْرَجَ عَوْفُ بن مَالِكٍ رَأْسَهُ مِنْ تُرْسٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ مِصْرَ, أَنَا عَوْفُ بن مَالِكٍ، لا تَسُبُّوا أَهْلَ الشَّامِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: (فِيهِمُ الأَبْدَالُ، وَبِهِمْ تُنْصَرُونَ، وَبِهِمْ تُرْزَقُونَ) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.

ويقول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (خيار أمّتي في كل قرن خمسمائة والأبدال أربعون فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون كلّما مات رجل أبْدَل الله عزّ و جلّ من الخمسمائة مكانه وأدْخَل مِن الأربعين مكانهم، قالوا: يا رسول الله دلّنا على أعمالهم، قال: يعفون عمّن ظلمهم ويحسنون إلى مَن أساء إليهم ويتواسون فيما آتاهم الله عزّ وجلّ) الإمام أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى.

وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (لا يزال أربعون رجلا من أمّتي قلوبهم على قلب إبراهيم يدفع الله بهم عن أهل الأرض يُقال لهم الأبْدال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّهم لمْ يدركوها بصلاة ولا بصوم ولا بصدقة، قالوا: يا رسول الله فيم أدركوها؟ قال: بالسّخاء والنّصيحة للمسلمين) الإمام أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى.

ولقد استدلّ الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى بهذه الأحاديث الشريفة وغيرها في الفتاوى الحديثة حينما سئل عن رجال الغيب ودليل وجودهم فأجاب بقوله:

(رجال الغيب سمّوا بذلك لعدم معرفة أكثر النّاس لهم، رأسهم قطب الغوث الفرد الجامع، جعله الله دائرا في الآفاق الأربعة أركان الدنيا كدوران الفلك في أفق السماء وقد ستر الله أحواله عن الخاصّة والعامّة غَيرَة عليه غير أنّه يرى عالما كجاهل وأبله كفطن وتاركا آخذا قريبا بعيدا سهلا عسرا أمنا حذرا، ومكانته من الأولياء كالنقطة من الدائرة التي هي مركزها به يقع صلاح العالم، والأوتاد وهم أربعة لا يطلع عليهم إلا الخاصّة واحدٌ باليمن وواحدٌ بالشّام وواحد بالمشرق وواحد بالمغرب والأبْدال وهمْ سبعة على الأصحِّ وقيل ثلاثون وقيل أربعة عشر كذا قاله اليافعي وسيأتي حديث أنّهم أربعون وحديث أنّهم ثلاثون وكل منهما يعكر على قوله والأصح أنّهم سبعة، والنّقباء وهم أربعون والنّجباء وهم ثلثمائة فإذا مات القطب أُبْدِلَ بخيار الأربعة أو أحد الأربعة أبْدِلَ بخيار السّبعة أو أحد السبعة أبدل بخيار الأربعين أو أحد الأربعين أبدل بخيار الثلثمائة أو أحد الثلثمائة أبدل بخير الصالحين فإذا أراد الله قيام الساعة أماتهم أجمعين وذلك أنَّ الله يدفع عن عباده البلاء بهم ويُنزل بهم قطر السماء وروى بعضهم عن الخضر أنّه قال ثلاثمائة هم الأولياء وسبعون هم النجباء وأربعون هم أوتاد الأرض وعشرة هم النقباء وسبعة هم العرفاء وثلاثة هم المختارون وواحد هو الغوث وجاء عن على كرم الله وجهه أنّه قال الأبدال بالشام والنجباء بمصر والعصائب بالعراق والنقباء بخراسان والأوتاد بسائر الأرض والخضر عليه الصلاة والسلام سيد القوم وفي حديث الإمام الرفاعي أنّه قال: إنّ لله في الأرض ثلثمائة قلوبهم على قلب آدم وله أربعون قلوبهم على قلب موسى وله سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم وله خمسة قلوبهم على قلب جبريل وله ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل وواحد قلبه على قلب إسرافيل فإذا مات الواحد أبْدَل الله مكانه من الثلاثة وإذا مات من الثلاثة أبْدَل الله مكانه من الخمسة وإذا مات من الخمسة أبدل الله مكانه من السبعة وإذا مات من السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين وإذا مات من الأربعين أبدل الله مكانه من الثلاثمائة وإذا مات من الثلثمائة أبدل الله مكانه من العامة يدفع الله بهم البلاء عن هذه الأمة —).

وأودّ التأكيد على ما يلي:

1- يجب الإيمان بالأمور الغيبية إذا صحّت أسانيدها، قال تعالى {ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة/1-5].

2- يجب ترك كيفياتها وعدم إقحام العقول إلا بما صحّ فيها.

3- يجب التفاعل معها بشكل إيجابي مثمر.

فالواجب في هذا الموضوع هو الاعتقاد بأنّ هذا الكون فيه صفحات غيبية قد يطّلع بعض الناس عليها إمّا بإخبار الله عزّ وجلّ أو بما يصل إليه العبد من وسائل مشروعة كالقرطاس والقلم والذوق الملهم، فإذا علمنا ممّا مضى أنّ هؤلاء الأبرار رضي الله تعالى عنهم وعنكم (يُسْقَى بِهِمْ الْغَيْثُ وَيُنْتَصَرُ بِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ – وَبِهِمْ تُنْصَرُونَ، وَبِهِمْ تُرْزَقُونَ) وجب علينا الاعتقاد بتأثير دعوة الصالحين ونزول بركات ربّ العالمين لوجودهم بيننا، وتُختصر هذه القضايا بموضوع (الجاه والوسيلة) والتي وضّحت أحكامها في أجوبة الأسئلة المرقمة (43، 155، 510 ،1533).

وإذا كانت هذه شمائلهم (يعفون عمّن ظلمهم ويحسنون إلى مَن أساء إليهم ويتواسون فيما آتاهم الله عزّ وجلّ – لمْ يدركوها بصلاة ولا بصوم ولا بصدقة — بالسّخاء والنّصيحة للمسلمين) فما أحرانا بالتحلِّي بها ودعوة الناس إليها.

أمّا بخصوص الشطر الثاني من السؤال (وهل يقصد صلى الله عليه وسلم بالأبدال المرشدين أم غيرهم؟) فقد علمنا ممّا مضى أنهم من رجال الغيب كما أكّده الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى، فلا يَحسن الإفصاح عنهم، فقد يكون المرشد منهم وقد لا يكون، والأصل في عمل المسلم الاقتداء بمَنْ أنابوا والتأسي بمَنْ بذلوا وجادوا.

والله تبارك وتعالى أعلم.