2013/10/24
السؤال:
السلام عليكم سيّدي الفاضل..هل صحيح أنّ حرمة سيّدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ميتا كحرمته حيا؟ أي أنّ التي ليست من نسله الشريف لا يصح لها التبرك بشعره الشريف بدون حائل؟ وهل رؤيته عليه السلام حقيقة مقتصرة على الرجال فقط؟ جزاكم الله تعالى خيرا كثيرا.
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
قال الحقّ سبحانه وتعالى {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح/8 – 9].
إنّ حرمةَ النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بعد موته، وتوقيرَه وتعظيمَه، باقية كما هي حالَ حياته وربما أشدّ، وكذا عند ذِكر اسمه الشريف وسيرته، أو ذِكرِ حديثـِه وسُنَّتِه، ومعاملةِ آلهِ وصحابتِه رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وحقٌّ على كلّ مؤمن متى ذكرَهُ، أو ذُكِرَ عنده، أنْ يخشعَ قلبه ويسيل دمعه ويزداد شوقه ويعظم وَجْدُه، ويكون في حالة من الهيبة والجلال كما لو كان بين يديه.
وكان هذا حال الكثير من السلف رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فعن سيّدنا النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قال: (كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي أنْ لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أنْ أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي أنْ لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أنْ أعمّر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل ممّا قلتم، فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم…) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
فتأملي رحمك الله تعالى لم يقل: عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قال: عند منبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لعلمه رضي الله تعالى عنه أنّ المنبر له حرمة صاحبه وصاحبه هو سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، فإذا كان هذا أدبَهم مع منبره الشريف فكيف يكون أدبهم معه عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام؟
وهناك صور أخرى تبيّن أدبهم رضي الله تعالى عنهم في مسجد سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم على ذاته وصفاته وعلى آله وصحابته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فهذا سيّدنا السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنه يقول (كنت قَائِمًا في الْمَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ فَنَظَرْتُ فإذا عُمَرُ بن الْخَطَّابِ فقال: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ، فَجِئْتُهُ بِهِمَا، قال: مَنْ أَنْتُمَا، أو من أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قالا: من أَهْلِ الطَّائِفِ، قال: لو كُنْتُمَا من أَهْلِ الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا في مَسْجِدِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، فما صرفت العقوبة عنهما إلا لكونهما غريبين عن المدينة المنورة فأعذرا لأنهما قد لا يعرفان ما ينبغي عليهما من واجب التبجيل والتوقير والتعظيم لصاحب المسجد وهو سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، فلم يخطر ببال أحد من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم أنّ قضية الأدب مع شخصه الكريم عليه الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه أجمعين قد انتهت بانتقاله إلى الرفيق الأعلى فحرمته والأدب معه باق في الدنيا والآخرة.
ولهذا بنى سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه إلى جانب المسجد رحبة سمّاها البطيحاء فكان يقول: (مَن أراد أنْ يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوتا فليخرج إلى هذه الرحبة) الإمام البيهقي رحمه الله تعالى.
وكانت السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها إذا سمعت دقّ الوتد أو المسمار يُضرب في بعض الدور المطنبة لمسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم ترسل إليهم تقول لهم (لا تؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ولما صنع سيّدنا عليّ رضي الله تعالى عنه لباب بيته مصراعين ما عملهما إلا بالمناصع توقيا لذلك. دفع شُبَه مَنْ شبّهَ وتمرّد (1/81)، والمناصع جمع منصع وهو الجلد الأبيض أو الثوب الأبيض.
ولما شرّفني الله تبارك وتعالى بزيارة سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم وقت أداء العمرة آلمتني كثيرا أصوات المعدات المستخدمة الآن في مسجد سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه وحوله فرأيت من الواجب التنبيه، وقصدتُ الإدارة وبلّغتُ المسؤول فيها بضرورة استخدام معدات لا صوت فيها أو العمل على تخفيضه وأسأل الله جلّ وعلا أنْ يوفقهم لهذا الأدب الموروث.
وعن حماد بن زيد رحمه الله تعالى وهو من كبار تابعي التابعين رضي الله تعالى عنهم أجمعين كان يحدّث ذات يوم بحديث سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فتكلّم رجل بشيء فغضب حمّاد وقال: يقول الله عزّ وجلّ {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ} وأنا أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تتكلم. الإمام البيهقي رحمه الله تعالى.
وكان الإمام مالك رضي الله تعالى عنه إذا أراد أنْ يحدّث بحديث سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم توضأ وجلس على صدر فراشه وسرّح لحيته وتمكّن في جلوسه بوقار وهيبة وحدّث فقيل له في ذلك، فقال: (أحبّ أنْ أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وكان يكره أنْ يحدّث في الطريق أو وهو قائم أو يستعجل وقال: (أحبّ أنْ أتفهّم ما أحدّث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وروي عنه أيضا أنه كان يغتسل لذلك ويتبخّر ويتطيّب فإنْ رفع أحدٌ صوته في مجلسه زجره وقال: قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ} فمَنْ رفع صوته عند حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنما رفع صوته فوق صوته. الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح لبرهان الدين الأبناسي (1/388).
وقد ناظره أبو جعفر المنصور يوما في مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فقال له الإمام مالك رضي الله تعالى عنه: لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإنّ الله عزّ وجلّ أدّب أقواما فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات/2]، ومدح قوما فقال {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات/3]، وذمّ قوما فقال {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [الحجرات/4]، وإنّ حرمته ميتا كحرمته حيا، فاستكان لها أبو جعفر. دفع شُبَه مَنْ شَبّهَ وتمرّد (1/73).
أمّا أدلة التبرك بشعره الشريف صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فكثيرة منها: ما رواه سيدنا أَنَس رضي الله تعالى عنه قال: (لقد رأيت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْحَلَّاقُ يَحْلِقُهُ وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ فما يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إلا في يَدِ رَجُلٍ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
وروى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى عن أبيه قال: (ورأيت أبي يأخذ شعرة النبيّ صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه يُقبلها، وأحسب أني رأيته يضعها على رأسه أو عينه، فغمسها في الماء ثمّ شربه؛ يستشفي به) مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه عبد الله بن أحمد ص 447.
والاحتمال قائم بشكل كبير أنّ تبرّكهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم بشعره الشريف صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم أو غيره من الآثار الشريفة لم يكن باللمس مباشرة بل كان بوجود حائل إذ كانت توضع في قارورة أو إناء أو حافظة تليق بها قدر المستطاع، وهذا كله من توقيره وتعظيمه عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام، ولعلّ ما رواه إِسْرَائِيلُ عن عُثْمَانَ بن عبد اللَّهِ بن مَوْهَبٍ رحمهم الله تعالى يؤكد هذا المعنى إذ قال: (أَرْسَلَنِي أَهْلِي إلى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ من مَاءٍ وَقَبَضَ إِسْرَائِيلُ ثَلَاثَ أَصَابِعَ من فضة فيه شَعَرٌ من شَعَرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وكان إذا أَصَابَ الْإِنْسَانَ عَيْنٌ أو شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ فَاطَّلَعْتُ في الْجُلْجُلِ فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، والجُلجُل شيء يشبه القارورة يحفظ فيه ما يُراد صيانته.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في فتح الباري: (والمراد أنه كان من اشتكى أرسل إناءً إلى أم سلمة فتجعل فيه تلك الشعرات وتغسلها فيه وتعيده فيشربه صاحب الإناء أو يغتسل به استشفاءً بها فتحصل له بركتها).
ومن الواضح أنّ هذا الأمر لا يقتصر على الرجال فحسب، بل للرجال والنساء، الصغار والكبار، فكلهم من هذه الأمة التي نبيّها سيّدنا محمّد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم وحُقّ لهم جميعا أنْ يكون لهم نصيب من بركته، وهذا من معاني قول الله عزّ وجلّ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء عليهم الصلاة والسلام/107].
وممّا يؤكد هذا رواية سيّدنا أنس رضي الله تعالى عنه إذ قال: (دخل عَلَيْنَا النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عِنْدَنَا – نام وقت القيلولة – فَعَرِقَ وَجَاءَتْ أُمِّي بِقَارُورَةٍ فَجَعَلَتْ تَسْلِتُ الْعَرَقَ فيها فَاسْتَيْقَظَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا أُمَّ سُلَيْمٍ ما هذا الذي تَصْنَعِينَ؟ قالت: هذا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ في طِيبِنَا وهو من أَطْيَبِ الطِّيبِ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
وينبغي أنْ تعلمي أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم ما مسّ امرأة قط لا تحلّ له، فعن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (والله ما مَسَّتْ يَدُ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ غير أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلَامِ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
أمّا مسّ شعره الشريف أو ظفره أو غيره من آثاره المباركة بعد انتقاله للرفيق الأعلى فهو من المسائل المختلف فيها بين الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، والصحيح أنه لا يُنتقض بلمسها الوضوء فهي بحكم المنفصل عن الجسد، ولانتفاء مظنة الشهوة، أي أنّ هذه الأجزاء ليست محلاً للشهوة الأصلية، وبهذا فلها أحكام خاصة تختلف عن بقية أجزاء الجسد. مغني المحتاج (1/35).
أمّا رؤيته عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام فلا تقتصر على الرجال فقط، فلقد نالت النساء كما الرجال شرف صحبة النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، ففزنَّ بمقام الصحبة العظيمة رضي الله تعالى عنهنَّ جميعا، وقد قال صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (تَسَمَّوْا بِاسْمِي ولا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي وَمَنْ رَآنِي في الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فإن الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ في صُورَتِي وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وكلمة (مَنْ) في الحديث الشريف مِن ألفاظ العموم فتشمل الرجال والنساء وحصر المعنى على الرجال يعدّ تخصيصا للنص، والتخصيص يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، كما إنّ للنساء مع حضرته قديما وحديثا وإلى قيام الساعة أحوالا عظيمة ومقامات سامية منها ما كان في اليقظة ومنها في المنام، وقد سُطرت الكثير من تلك الأحوال والمنامات في كتب التأريخ والسير وتناقلتها الناس عبر العصور، فنسأله تعالى لنا ولكم دوام رؤيته ومحبته ومجاورته في الدنيا والبرزخ والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله جلّ وعلا أعلم.