2013/10/24

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هل يمكن رؤية الملائكة الكرام ؟؟

قبل بضع سنين وقبل أنْ أنام وقت القيلولة وكنت ما أزال أقرأ سور من القرآن الكريم قبل النوم، تجسّد أمامي مخلوق نوراني غاية في الجمال والحسن، وكان له وجه جميل جدا لا يشبه وجه البشر ولكنه يقاربه من حيث الهيئة، وكان لونه أبيض شفاف، وكانت جسده يشع بألوان متعددة (على شكل خيوط الكهرباء التي تستخدم في الحفلات والأعراس هنا في الإمارات)، فرحت أنظر إليه بفرح وسرور، ثمّ اختفى بعد ذلك، علما أني كنت متيقظا ولست نائما، بل إني رحت أكمل قراءة بعض سور القرآن قبل النوم.

فهل شيخي الفاضل يمكن أنْ يكون هذا المخلوق هو ملكا كريما، أو جانا صالحا، مع علمي أنّ رؤية البشر للملائكة الكرام نفاه الكثير من العلماء.

علما أني شيخي الفاضل رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم في منامي مرّات عدة، إحداها كنت راكبا خلفه على دابة لها وجه يشبه وجه الإنسان، وكذلك رأيت نفسي في المنام جالسا في حضرة الله عزّ وجلّ في السماء السابعة في حلقة بها عدد كبير جدا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بالنسبة لرؤية الله عزّ وجلّ فإني لم أره بهيئته الكريمة دون تجلي أو تمثيل أو تشبيه، بل كان جلّ وعلا محاطا بهالة نورانية عظيمة لا تظهر أي شيء من هيئته عزّ وجلّ دون تشبيه أو تأويل أو تمثيل.

أعتذر عن ذكر هذه الرؤى في السؤال، فأنا أعلم أنّ هذا ليس محلها في هذا الموقع، ولكني ارتأيت ذكر هذه الرؤى لعلها تفسّر ما حدث معي من رؤية هذا المخلوق النوراني.

 

الاسم الكامل: ابو احمد

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

الملائكة الكرام عليهم السلام أجسام نورانية، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (خُلِقَتِ الْمَلاَئِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، ولهم صفات ومنها:-

القدرة على التشكّل بأنواع، وعلى هذا فيمكن أنْ ترى الملائكة بالصورة التي تتشكل بها فليس هناك مانع شرعي ولكننا لا نستطيع أنْ نجزم بأنَّ ما يراه البعض من الأشخاص هم مِن الملائكة إلا بإخبار الله تعالى، أو كون الرائي من أهل المراتب العالية في القرب والإكرام، فقد يعلم بهم في بعض الحالات وهذا من باب الكرامة الثابتة في الكتاب والسنة الجليلين.

قال تعالى {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات/24-28].

وقال عزّ وجلّ {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ * قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ * قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ * قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [سيدنا هود عليه السلام/77-81]، ومن ذلك ما حدث للسيّدة مريم عليها السلام، قال جلّ وعلا {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} [مريم عليها السلام/16-19].

قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت/30-31].

فهذه الآية الكريمة وأمثالها تدلّ على أنّ أهل المقامات – جعلكم الله عمّ فضله سبحانه منهم – يتشرّفون بالملائكة الكرام عليهم السلام على وصف علمهم بهم، ذكر المفسرون رحمهم الله تعالى في قوله جلّ وعلا {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ} يكون عند الاحتضار أو الموت، وأرى والله تبارك وتعالى أعلم، أنّ نزول الملائكة هذا وتبشيرهم لعباد الله عزّ وجلّ الصالحين يكون في حياتهم وليس عند مماتهم لأنّ البشرى تسبق البشارة والآية التي تليها تؤكد هذا المعنى وهي قوله تعالى {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} فلو كان المقصود من نزول الملائكة عند الموت فقط لم يعد لذكر الحياة الدنيا في الآية الكريمة من فائدة.

وقد ثبت نزول الملائكة الكرام عليهم السلام في الدنيا وتقديم المدد والعون للمؤمنين في سيرة سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم وسيرة أصحابه رضي الله تعالى عنهم وعنكم أجمعين.

فمن أسباب نزولهم قتالهم وأسرهم للمشركين:

فعن سيّدنا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه قَالَ (لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً فَاسْتَقْبَلَ نَبِىُّ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِى الأَرْضِ». فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيّ اللَّهِ كَذَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ} فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلاَئِكَةِ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

وعن سيّدنا ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قَالَ (بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ أَقْدِمْ حَيْزُومُ. فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ. فَجَاءَ الأَنْصَارِىُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ « صَدَقْتَ ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ». فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

وما رآه سيّدُنا سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى في معركة أحد حيث قَالَ (رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَعَنْ شِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلاَ بَعْدُ. يَعْنِى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

وفي رواية أخرى قَالَ (لَقَدْ رَأَيْتُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَعَنْ يَسَارِهِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ يُقَاتِلاَنِ عَنْهُ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلاَ بَعْدُ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه للحديث الشريف (…وأنَّ رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء بل يراهم الصحابة والأولياء وفيه منقبة لسعد بن أبي وقاص الذي رأى الملائكة).

وعن سيّدنا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال (كان سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها إلى ظهروهم ويوم حنين عمائم حمر ولم يقاتل الملائكة في يوم إلاّ يوم بدر إنّما كانوا يكونون عددا ومدادا لا يضربون) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.

وعن عوف بن عبد الرحمن مولى أم برثن عمن شهد حنيناً كافراً قال (لما التقينا نحن ورسول الله والمسلمون لم يقوموا لنا حلب شاة فجئنا نهش سيوفنا بين يدي رسول الله حتى إذا غشيناه فإذا بيننا وبينه رجال حسان الوجوه فقالوا: شاهت الوجوه فارجعوا فهزمنا من ذلك الكلام) الإمام البيهقي رحمه الله تعالى.

وعن سهيل بن عمرو رضي الله تعالى عنه قال (لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض معلمين يقتلون ويأسرون) الإمام البيهقي رحمه الله تعالى.

وعن سيّدنا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال (كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلا مجموعا وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر: كيف أسرت العباس يا أبا اليسر؟ فقال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ولا بعد، هيئته كذا وهيئته كذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أعانك عليه ملك كريم) الطبقات الكبرى للإمام ابن سعد رحمه الله تعالى.

ومن أسباب نزولهم تعليمهم أمر الدّين:

فقد كان سيّدنا جبريل عليه السلام  يأتى سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم في صور متعددة، فتارة يأتي في صورة سيّدنا دحية الكلبي رضي الله تعالى عنه وهو صحابي جميل الصورة، وتارة في صورة أعرابي، وقد رآه كثير من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فعن سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قَالَ (بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِى عَنِ الإِسْلاَمِ…) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

وفي الحديث أنّه سأله عن الإيمان والإحسان والساعة وأماراتها، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام فيما بعد أنّ السائل سيّدنا جبريل عليه السلام جاء يعلم الصحابة دينهم، فقال (يَا عُمَرُ أَتَدْرِى مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

ومن الأسباب أيضا التبشير:

فقد ثبت في الحديث (أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِى قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لاَ غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

ومن أسباب نزولهم الامتحان والإختبار:

ففي الصحيح أيضا (إِنَّ ثَلاَثَةً فِى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأَتَى الأَبْرَصَ فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ. قَالَ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ وَأُعْطِىَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا قَالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الإِبِلُ – أَوْ قَالَ الْبَقَرُ شَكَّ إِسْحَاقُ – إِلاَّ أَنَّ الأَبْرَصَ أَوِ الأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا الإِبِلُ وَقَالَ الآخَرُ الْبَقَرُ – قَالَ فَأُعْطِىَ نَاقَةً عُشَرَاءَ فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا – قَالَ – فَأَتَى الأَقْرَعَ فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا – قَالَ – فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلاً فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا – قَالَ – فَأَتَى الأَعْمَى فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَىَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ – قَالَ – فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ. قَالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْغَنَمُ.فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا – قَالَ – فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبِلِ وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ. قَالَ ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ فِى صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِى سَفَرِي فَلاَ بَلاَغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلاَّ بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِى سَفَرِي. فَقَالَ الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ. فَقَالَ لَهُ كَأَنِّي أَعْرِفُكَ أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ فَقَالَ إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. قَالَ وَأَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. قَالَ وَأَتَى الأَعْمَى فِى صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِى سَفَرِي فَلاَ بَلاَغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلاَّ بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِى سَفَرِي فَقَالَ قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَىَّ بَصَرِي فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ فَوَ اللَّهِ لاَ أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ فَقَالَ أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

ولعلّ ما رأيته قريب ممّا جاء في الحديث عَنْ سيّدنا أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْر رضي الله تعالى عنه قَالَ (بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنْ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ إِذْ جَالَتْ الْفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ فَقَرَأَ فَجَالَتْ الْفَرَسُ فَسَكَتَ وَسَكَتَتْ الْفَرَسُ ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتْ الْفَرَسُ فَانْصَرَفَ وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ فَلَمَّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ قَالَ فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ فَخَرَجَتْ حَتَّى لَا أَرَاهَا قَالَ وَتَدْرِي مَا ذَاكَ قَالَ لَا قَالَ تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

والأمر متعلق بحسب حال وقوة قلب من أكرمه الله عزّ وجلّ بذلك، فمنهم مَن رأى الملائكة، ومنهم مَنْ سلّم عليهم وصافحهم، ومنهم مَنْ سمع كلامهم أو خاطبهم.

فعن سيّدنا عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ (كُنْتُ مَعَ أَبِي عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ فَكَانَ كَالْمُعْرِضِ عَنْ أَبِي فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ فَقَالَ لِي أَبِي: أَيْ بُنَيَّ أَلَمْ تَرَ إِلَى ابْنِ عَمِّكَ كَالْمُعْرِضِ عَنِّي؟ فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ إِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ، قَالَ: فَرَجَعْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبِي: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَكَ رَجُلٌ يُنَاجِيكَ فَهَلْ كَانَ عِنْدَكَ أَحَدٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهَلْ رَأَيْتَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ ذَاكَ جِبْرِيلُ وَهُوَ الَّذِي شَغَلَنِي عَنْكَ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

وعَنِه أيضا قَالَ (عاَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ, فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَنْزِلِهِ سَمِعَهُ يَتَكَلَّمُ فِي الدَّاخِلِ, فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ دَخَلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَمِعْتُكُ تُكَلِّمُ غَيْرَكَ, قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ دَخَلْتُ الدَّاخِلَ اغْتِمَامًا بِكَلامِ النَّاسِ مِمَّا بِي مِنَ الْحُمَّى, فَدَخَلَ عَلَيَّ دَاخِلٌ مَا رَأَيْتُ رَجُلا قَطُّ بَعْدَكَ أَكْرَمَ مَجْلِسًا, وَلا أَحْسَنَ حَدِيثًا مِنْهُ, قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ, وَإِنَّ مِنْكُمْ لَرِجَالا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يُقْسِمُ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.

وعن مطرف بن عبد الله عن سيّدنا عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه أنّه قال: (اعلم يا مطرف أنّه كانت تسلم الملائكة عليّ عند رأسي وعند البيت وعند باب الحجر فلما اكتويت ذهب ذلك فلمّا برئ كلمه، قال: اعلم يا مطرف أنه عاد إليّ الذي كنت أفقد أكتم عليّ يا مطرف حتى أموت) الإمام الحاكم رحمه الله تعالى.

وعن قتادة رحمه الله تعالى (أنَّ الملائكة كانت تصافح عمران بن حصين حتى اكتوى فتنحّت) الإمام ابن سعد رحمه الله تعالى.

فهذه النصوص الأخيرة تدلّ على أنّ من عباد الله تعالى مَنْ يعلم بالملائكة علما يقينا لا تشوبه شائبة، ولذلك قلت آنفا (ولكننا لا نستطيع أنْ نجزم بأنَّ ما يراه البعض من الأشخاص هم مِن الملائكة إلا بإخبار الله تعالى، أو كون الرائي من أهل المراتب العالية في القرب والإكرام).

وذكر الحافظ المنذري رحمه الله تعالى في الترغيب ما رواه الإمام ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتاب الذكر عن سيّدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (قال أبيّ بن كعب: لأدخلنّ المسجد فلأصلّينّ ولأحمدنّ الله بمحامد لم يحمدْه بها أحد، فلمّا صلى وجلس ليحمد الله ويثني عليه فإذا هو بصوت عال من خلفه يقول: اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره لك الحمد إنّك على كل شيء قدير، اغفر لي ما مضى من ذنوبي واعصمني فيما بقي من عمري وارزقني أعمالا زاكية ترضى بها عني وتب علي، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقص عليه فقال: ذاك جبرائيل عليه السلام).

أمّا ما ثبت من رؤية الكفار للملائكة في الغزوات فهو من باب التخويف والإفزاع لهم.

والله تبارك وتعالى أعلم.