2013/10/27
مشاركة من الدكتور عبد الشافي محمد عبد اللطيف جزاه الله تعالى خيراً.
:: إعدام علي مائدة العشاء ::
الرسالة:
الشاعر التغلبي هاجم الخليفة الأموي فأمر بإعدامه!
قصة مثيرة موجودة بين طيّات كتب التراث، عن شاعر هاجم أقوى خلفاء بني أمية، وكان مصيره الموت، وعندما ضاقت به الأرض بما رحبت لجأ إلى حيلة أنقذته من موت محقق!
إنه الشاعر التغلبي وقصة هذا الشاعر أنه في لحظة من اللحظات التي مرّت به، حاول أنْ يهاجم الخلفية الوليد بن عبد الملك، والوليد بن عبد الملك لم يكن مجرد خليفة من خلفاء بني أمية، بل كان من أعظم هؤلاء الخلفاء على الإطلاق، فقد كان قويا، وفي عصره امتدت الفتوحات الإسلامية لتشمل الشمال الأفريقي كله، ثمّ عبرت جيوشه عبر الاطلنطي لتكتسح الأندلس، وتصبح حدود دولة الإسلام بالقرب من فرنسا بعد أنْ اجتاحت جيوشه إحدى الدول الأوربية وهي الأندلس، بل امتدت فتوحاته لتشمل السند في شبه الجزيرة الهندية وبلاد ما وراء النهر.
امبراطورية بكلّ هذه العظمة وبكل هذا الاتساع ماذا يمكن أنْ يكون عليها القابض على أمورها في دمشق؟
بل إنّ عظمة هذا الخليفة لا تقتصر على الفتوحات الإسلامية، بل تعدّت ذلك إلى الاصلاحات الهائلة التي قام بها ومنها:- توسعة مسجد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم في المدينة والذي أشرف على ذلك عمر بن عبد العزيز ابن عم الخليفة.
كما إنه بنى المسجد الأقصى في القدس ومسجد دمشق.
يقول عنه الطبري رحمه الله تعالى:
(كان الوليد عند أهل الشام أفضل خلائفهم بنى المساجد، مسجد دمشق، ومسجد المدينة، ووضع المنابر، وأعطى الناس، وأعطى المجذومين، وقال: لا تسألوا الناس، وأعطى لكلّ مقعد خادما، ولكلّ ضرير قائدا، وفُتِح في عهده فتوح عظام).
وهذا الخليفة العظيم ولد عام 50 هـ ومات عام 96 هـ.
* * *
هذا الخليفة الوليد بن عبد الملك تصل إلى أذنه أبيات من الشعر، كما يؤكد ذلك أبو الحسن المدايني فيقول:
أتنسى يا وليد بلاد قومي بملك والزبيريون صيد
أتنسانا إذا استغنيت عنا وتَذْكرنا إذا صلّ الحديد!
وهذا الشعر يشرحه الأستاذ أحمد حسن الباقوري بقوله:
يقول الشاعر يؤنب أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك:
إنه لا يليق بك أنْ تنسى قومي وصنيعهم معك.. ومع آبائك ممّا ثبّت ملكك، وأتباع الزبير والمنتسبين إليهم لهم قوة وصولة، وملك بني أمية مهدّد بهم.
وأنّ هذا لا يليق بأخلاق الكبار أنْ ينسوا حسن صنيع الناس إليهم إذا أدركهم الرخاء، وزالت عنهم الشدة ثمّ يذكرونهم إذا احتاجوا إليهم ليذودوا عنهم شرا أو يدفعوا نازلة!
وهذا الشعر – على ما يبدو للمتأملين – شعر شديد القدح يتأذى به سوقة الناس فضلا عن أمراؤهم ورؤساؤهم لأنّ فيه وصفا للوليد بن عبد الملك بأخلاق تليق بالسوقة ولا تليق بالملوك، ويأتيها الصغار من الناس ويتنزّه عنها كبار النفوس.
* * *
وكان من الطبيعي أنْ يصل هذا إلى أسماع الوليد، فما أسرع الذين ينقلون لأصحاب السلطة والجاه ما يدور في دنيا الناس، فما بالك بشاعر يهجو أمير المؤمنين، ويتهمه بما ليس فيه..
وكان من الطبيعي أيضا أنْ يتأذى الخليفة ممّا سمع ويغضب لنفسه غضبا شديدا، فهو الخليفة الذي رفع راية الإسلام في كلّ مكان، وهو الخليفة الذي يُدعى له على المنابر من حدود الصين حتى الأندلس، هل يمكن له أنْ يتقبّل كلمات هذا الشاعر الذي فقد عقله في لحظة طيش أو غضب!
وكان من الطبيعي أنْ يأمر الخليفة بإحضار التغلبي لمحاكمته ويجازيه بما اقترف لسانه!
* * *
وعرف التغلبي أنّه تهوّر بهذه الكلمات، وأنّه سوف يُطلب للمحاكمة، وأنّ مصيره الموت، فترك بلاده وهرب ينبغي طريقا للخلاص، ولكن الهرب إلى أين؟
وكيف يختفي وشرطة الخليفة وعيونه في كلّ مكان؟
وإن استطاع أنْ يختفي أياما أو شهورا، فهل يمكن أنْ يختبئ إلى الأبد؟
وما مصير أولاده وزوجته؟
* * *
وأحسّ التغلبي أنّ الأرض تضيق عليه بما رحبت، وأنّه سوف يمثل أمام الخليفة لا محالة!
وأدرك أيضا أنّه من الصعب عليه التخفّي إلى الأبد وأنّه عندما يمثل في حضرة الخليفة، فسوف يأتون به مقيّدا بالأغلال، وهو لا يدري إنْ كانوا سيحضرونه إلى الخليفة أم يعاقبونه دون أنْ يراه!!
وأخذ يفكّر في طريقة للخلاص.
ووجد أنّ هذه الطريقة هو أنْ يذهب إلى قصر الخلافة في دمشق، فهو يعرف أنّ الخليفة يقيم مائدة لرعاياه، وعليه أنْ يحضر هذه المائدة ثمّ يستعطف الخليفة ويعتذر!
إنه في هذه الحالة سوف يكون ضيفا على أمير المؤمنين، وبذلك يستثير النخوة العربية التي يتحلى بها الخليفة ويطلب العفو!
* * *
وذهب التغلبي وحضر العشاء مع الخليفة، وعرفه بعض مَنْ كانوا على مائدة الخليفة، وأخبروا الوليد بن عبد الملك، واستدعاه الخليفة قائلا له:
يا عدو الله لقد أمكنني الله منك، وأخذ الشاعر التغلبي يتوسّل ويسترحم وهو يقول:
لقد قلت في نفسي إنْ أمهلك حتى أطأ بساط الخليفة، وآكل طعامه، فقد أمنت، وإنْ عوجلت فقد هلكت، وقد أمهلت حتى وطئت بساطك يا أمير المؤمنين، وأكلت طعامك، فقد أمنت إذن.
* * *
لقد نجحت حيلة الشاعر.
وصمت الخليفة وهو يسمع كلام التغلبي، وأنه جاءه يطلب العفو، وأنه أكل معه على مائدة واحدة، وأنه ما جاء إليه إلا طمعا في كرمه ومروءته.
وتأمّل الخليفة الموقف.. فهو يرى أمامه رجلا جاد يلتمس العفو، ولعله في هذه اللحظات طافت بخياله المواقف التي مرّت برسوله الكريم عليه الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه أجمعين، وهي مواقف أصعب وأشد، ومع ذلك عفا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأكرم مَنْ تربصوا به الدوائر، وأهانوه!
ألم يكن له في رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أسوة حسنة.
ولعله شاهد الرجل في لحظات ضعفه وبأسه وهوانه، وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت فلجأ إلى الخليفة نفسه يسترحمه ويستعطفه ويوقظ في أعماقه احترام الضعف الإنساني وقد فعل!
* * *
لقد عفا عنه الخليفة على كلّ حال، وقال له: انصرف آمنا راشدا!
* * *
يقول الشيخ الباقوري رحمه الله تعالى تعليقا على هذه الحكاية الطريفة:
(فأمّنه الوليد فانصرف آمنا راشدا فلمّا ولّى لم يتمثل الوليد بآية من كتاب الله ولا بأدب من أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه تمثّل بشعر عربي أصيل يقول فيه الشاعر:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
يعني أنهم من بعد الهمة، وكبر النفس بحيث لا تسهل عداوتهم، فإذا أمكنتهم الفرصة من عدوهم فقدروا عليه فإنهم يعفون عنه لأنهم كبار الهمم، كبار النفوس، والعفو عند المقدرة من مكارم الاخلاق)
* * *
وهذه الحكاية من أجمل قصص التراث لِمَا فيها من نزعة إنسانية، ولِمَا فيها من تصوير النفس البشرية عندما ينطلق لسانها بما لا تقوى على تحقيقه، وعندما تصطدم بالواقع لا تجد إلا رجع بكاء.. ولا تجد إلا الاستعطاف حتى لا يقع المحظور، وتنتهي حياتهم بكلمة تخرج من فم حاكم أو أمير!
مراجع:
قطوف من أدب النبوة .. أحمد حسن الباقوري
العصر الاموي .. أ. د. عبد الشافي محمد عبد اللطيف
الاسم: عبد العزيز نصيف جاسم المشهداني
الرد:
جزاك الله تعالى خيرا على تواصلك مع هذا الموقع المبارك بهذه المشاركة التي تجسّد أخلاق المسلمين في العفو عند المقدرة وتؤكّد على ضرورة أنْ يمسك الإنسان لسانه ولا يتكلم فيما لا يعنيه قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (مِنْ حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وقال (مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت) متفق عليه، والأحاديث الشريفة في هذا الباب كثيرة، وأقوال أهل الفهم والذوق فيه بالاهتمام جديرة، قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى (واللسان رحب الميدان ليس له مرد، ولا لمجالة منتهى وحد، له في الخير مجال رحب، وله في الشر ذيل سحب، فمنْ أطلق عذبة اللسان، وأهمله مرخى العنان، سلك به الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار، إلى أنْ يضطره إلى البوار، ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة ويكفه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله وآجله) إحياء علوم الدين (3/108).