2013/10/29

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي حضرة الشيخ حفظكم الله ورعاكم نشكركم على هذا الموقع المبارك جزاكم الله عنا خير الجزاء، سيّدي حضرة الشيخ ما حكم من ترك الصلاة 20 سنة غير أنه إذا جاء رمضان صام وصلى ثمّ ما أنْ انتهى رمضان ترك الصلاة هل يقضي هذه السنوات التي ضيّع فيها الصلاة ؟ وشكرا لكم.

 

الاسم: احمد الاوسي

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاكم الله تعالى على دعواتكم الطيبة ولكم بمثله.

إنَّ ممّا لاشكّ فيه أنَّ للصيام أجرا عظيما وكيف لا وربنا سبحانه وتعالى يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة/183]، وحبيبنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ يَقُولُ (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ فَوَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلْفَةُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

ولكن هذا لا يعفو العبد من أداء ما أوجبه الله سبحانه وتعالى عليه، يقول حضرة خاتم النبيين وسيّد المرسلين عليه من الله تعالى أفضل الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه أجمعين (بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ) الإمام الْبُخَارِيُّ رحمه الله تعالى.

ثمّ اعلم أخي الفاضل أنَّ فريضة الصلاة ركنٌ أصيلٌ في جميع الأديان والرسالات الإلهية, ولقد حدّثنا القرآن الكريم عن ذلك فنقرأ فيه قوله جلّ وعلا على لسان سيّدنا عيسى عليه السلام {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم عليها السلام /31]، ولقد أكّد النبيُّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم هذه الحقيقة بقوله (وَلَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.

وإنَّ من أبرز أسرار هذه العبادة الجليلة ومعانيها السامية التي تتدفق من ينبوعها الثرّ أنّها بأفعالها وقراءتها ودعائها رمز لواقع الخشوع ومطلق الخضوع لله ربِّ العالمين، وتحقيق لحال قرب العبد من ربه سبحانه، حيث قال صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وقال عزّ وجلّ مخاطباً رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق/19]، وهي إيقاظ متكرر للإنسان من غفلته عن الله عزّ وجلّ، وتنظيف للجوارح من لوثات الشرور والآثام، وحسبنا دليلا على ذلك قول الصادق المصدوق صلوات الله تعالى عليه وآله الأبرار وصحابته الأطهار وسلم تسليما كثيرا (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ قَالُوا لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ قَالَ فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

ومما يزيد هذه الفريضة خطورة توعّدهُ جلّ وعلا جاحدها وتاركها بالعقاب الشديد، قال سبحانه عن أهل النار {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [المدثر/42 – 44]، وقال جل في علاه {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون/4 – 5].

فالإعراض عنها وإهمال أدائها إعراضٌ عن الله تعالى وعدم استجابة لمضمون قوله الحق جلّ جلاله وعمّ نواله {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات/56].

ولا يخسر الإنسان ويشقى في دنياه ويخيب ويهلك في أخراه إلا إذا أعرض عن مولاه جل في علاه، وسيّدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ يَقُولُ (إنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ، فَإِنْ أَتَمَّهَا وَإِلَّا قِيلَ انْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتِ الْفَرِيضَةُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ يُفْعَلُ بِسَائِرِ الْأَعْمَالِ الْمَفْرُوضَةِ مِثْلُ ذَلِكَ) أَصْحَابُ السُّنَنِ رحمهم الله تعالى.

ومن هنا أوصيك وكلّ من تهاون بأداء واجب من واجبات الإسلام الإسراعَ بالتوبة إلى الله تعالى والفوزِ بمحبته فإنه جلّ جلاله وعمّ نواله يقول {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة/222]، والبدءَ بقضاء ما فاتك من فرائض، ولمعرفة كيفية قضائها عليك مراجعة الأسئلة المرقمة (194، 255، 324، 1424).

والله سبحانه وتعالى أعلم.