2013/10/30
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، بارك الله تعالى فيكم سيّدي وأدامكم للإسلام والمسلمين، سيّدي ما معنى البركة؟ وهل هو جائز ما نراه من تبرّك الناس بقبور الصالحين؟ أو الذهاب إلى رجل صالح والاستشفاء عنده؟
وجزاكم الله تعالى كلّ خير.
الاسم: أنور
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبارك الله جلّ وعلا فيك وجزاك خيرًا وحفظك والمسلمين من كلّ سوء إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.
البركة: هي الزيادة والنماء، وقيل: اشتقاقها من البروك، وهو اللزوم والثبوت، لثبوتها في الشيء، ويوصف بها كلّ شيء لزمه وثبت فيه خير إلهي، ولا يسند فعل البركة إلاّ إلى الله عزّ وجلّ، فلا يقال: بارك زيد في الشيء، وإنّما يقال: بارك الله تعالى فيه.
وبارك اللهُ الشيء وبارك فيه أو عليه: وضع فيه البركة، قال عزّ من قائل:-
{فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة النمل: 8].
وتكون البركة في الأشخاص والأمكنة والأزمنة والأشياء:-
فبارك الله عزّ وجلّ في بعض الأشخاص فقال:-
{قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ —} [سورة سيّدنا هود عليه السلام: 48].
وقال تبارك في علاه على لسان سيّدنا عيسى عليه السلام:-
{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ —} [سورة السيّدة مريم عليها السلام: 31].
وعن سيّدنا الحارث بن عمرو السهمي رضي الله تعالى عنه قال:-
(أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمِنًى أَوْ بِعَرَفَاتٍ وَقَدْ أَطَافَ بِهِ النَّاسُ قَالَ: فَتَجِيءُ الْأَعْرَابُ فَإِذَا رَأَوْا وَجْهَهُ قَالُوا: هَذَا وَجْهٌ مُبَارَكٌ —) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.
وعن سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:-
(بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُلُوسٌ إِذَا أُتِيَ بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ المُسْلِمِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِي النَّخْلَةَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ التَفَتُّ فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ فَسَكَتُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هِيَ النَّخْلَةُ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ ذكره.
وعن سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:-
(أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ اللَّيْلَة الّتِي قُتِلَ فِيْهَا الأَسْوَدُ العِنْسِيّ – رَجُلٌ مِنَ أَهْلِ اليَمَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ – فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: قُتِلَ الأَسْوَدُ البَارَحَة، قَـتَلَهُ رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مُبَارَكِيْنَ، فَقِيْلَ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: فَيْرُوْز) الإمام الديلمي رحمه الله عزّ شأنه.
قال الإمام البوصيري رحمه الله جلّ في علاه في قصيدة البردة الشريفة:-
كَمْ أَبْرَأَتْ وَصِبًا بِاللَّمْسِ رَاحَتُـهُ *** وَأَطْـلَـقَـتْ أَربًا مِنْ رِبْقَةِ اللَّمَـــمِ
مَوْلَاي صَلِّ وَسَـلِّمْ دَائِـمًـا أَبَـــدًا *** عَلَى حَبِيْبِكَ خَيْرِ الخَـلْـقِ كُلِّهِــمِ
وَالآلِ وَالصَّحْبِ ثُمَّ التَّابِعِيْنَ فَهُمْ *** أَهْلُ التُّقَى وَالنَّقَى وَالحِلْمِ وَالكَرَمِ
قوله (وَصِبا) أي مريضا، (وأطلقتْ أربا) أي خلّصت محتاجا، (ربقة اللمم) حبل الجنون.
وبارك جلّ وعلا في بعض الأمكنة فقال:-
{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 96].
وقال تبارك اسمه:-
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [سورة الإسراء: 1].
وقال جلّ وعلا:-
{وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 71].
وقال:-
{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} [سورة القصص: 30].
وقد دعا سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم للمدينة بالبركة فقال:-
(اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ) متفق عليه.
وعن سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه قال:-
(سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
كان الإمام تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى يخرج في الليل يتهجّد ويمرغ خديه على الأرض فوق البساط الذي كان الإمام النووي رحمه الله جلّ وعلا يدرّس عليه فينشد:-
وَفِي دَارِ الحَدِيْثِ لَطِيْفُ مَعْنَى *** عَلَى بُسُطٍ لَهَا أَصْبُو وَآوِي
عَسَى أَنِّي أَمُـسُّ بِـحُـرِّ وَجْهِي *** مَكَانًا مَـسَّـهُ قَـدَمُ النَّــوَاوِي
وبارك جلّ جلاله وعمّ نواله بعض الأزمنة فقال:-
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [سورة الدخان: 3].
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وأصحابه الكرام:-
(اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا قَالَ فَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ قَالَ فَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ قَالَ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ في علاه.
وقال أيضا:-
(أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ) الإمام النسائي رحمه الله تعالى.
شَهْرُ الصِّيَامِ مُبَارَكٌ قَدْ خَصَّهُ *** ذُو الطَّوْلِ فِيْهِ بِفَضْلِهِ وَاخَتَـارَهُ
فَإِذَا أَتَـى فَـتَـحَ الإِلَـهُ جِـنَـانَــهُ *** لِلْصَّـائِـمِـيْـنَ لَـهُ وَأَغْـلَـقَ نَـارَهُ
وبارك سبحانه في بعض الأشياء، قال جلّ وعلا:-
{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة البقرة: 247-248].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى:-
(وقال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسى عليه السلام على طريق الاستقامة مدة الزمان، ثم أحدثوا الأحداث وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء مَن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويقيمهم على منهج التوراة إلى أنْ فعلوا ما فعلوا فسلّط الله عليهم أعداءهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا خلقًا كثيرا وأخذوا منهم بلادًا كثيرة، ولم يكن أحد يقاتلهم إلا غلبوه وذلك أنهم كان عندهم التوراة والتابوت الذي كان في قديم الزمان وكان ذلك موروثًا لخلفهم عن سلفهم إلى موسى الكليم عليه الصلاة والسلام فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب وأخذ التوراة من أيديهم ولم يبق من يحفظها فيهم إلا القليل — ولمّا طلبوا من نبيّهم أنْ يعيّن لهم ملكًا منهم، عيّن لهم طالوت وكان رجلا من أجنادهم ولم يكن من بيت الملك فيهم؛ فقالوا: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا} أي: كيف يكون ملكًا علينا {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} أي: ثمّ هو مع هذا فقير لا مال له يقوم بالملك، ثمّ يقول نبيّهم لهم: إنّ علامة بركة ملك طالوت عليكم أنْ يرد الله عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم — فقال: منهم مَنْ يقول: قفيز مِنْ مَنٍّ، ورضاض الألواح، ومنهم مَنْ يقول: العصا والنعلان) تفسير القرآن العظيم (1/667) بتصرّف.
وممّا ورد في السنّة المطهّرة قوله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-
(كُلُوا الزَّيْتَ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ، وَائْتَدِمُوا بِهِ، وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) الإمام الدارمي رحمه الله تعالى.
وكلّ المؤمنين فيهم من البركة بقدر إيمانهم وصلاحهم، يجعلها الله جلّ وعلا فيهم، وينتقل أثرها إلى غيرهم، لا كما يتوهّم البعض فيجعل ذلك مخصوصا بالأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والتسليم، إنمّا الأنبياء والرسل هم أعظم الناس بركة فهم سادة المؤمنين، لذا فالأصل في مشروعية التبرّك بالصالحين وآثارهم هو مشروعية التبرّك بالأنبياء وآثارهم عليهم الصلاة والسلام.
فعَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي صَالِحٍ رحمه الله تعالى قَالَ:-
(أَقْبَلَ مَرْوَانُ يَوْمًا فَوَجَدَ رَجُلًا وَاضِعًا وَجْهَهُ عَلَى الْقَبْرِ فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا تَصْنَعُ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ أَبُو أَيُّوبَ، فَقَالَ: نَعَمْ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ آتِ الْحَجَرَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تَبْكُوا عَلَى الدِّينِ إِذَا وَلِيَهُ أَهْلُهُ وَلَكِنْ ابْكُوا عَلَيْهِ إِذَا وَلِيَهُ غَيْرُ أَهْلِهِ) الإمام أحمد رحمه الله عزّ وجلّ.
وذكر الإمام ابن عساكر رحمه الله تعالى أنَّ سيّدنا بلالا رضي الله تعالى عنه لمّا قدم من الشام لزيارة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(أَتَى القَبْرَ، فَجَعَلَ يَبْكِي وَيُمَرِّغُ وَجْهَهُ عَلَيْهِ).
وفي كتاب العلل والسؤالات لعبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله تعالى قال:-
(سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الرَّجُلِ يَمُسُّ مِنْبَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَبَرَّكُ بِمَسِّهِ، وَيُقَبِّلُهُ وَيَفْعَلُ بِالقَبْرِ مِثْلَ ذَلِكَ، رَجَاءَ ثَوَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ).
وعن أَبَي جُحَيْفَةَ رضي الله تعالى عنه يَقُولُ:-
(خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهَاجِرَةِ فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْر رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
قال الشيخ بدر الدين العيني رحمه الله تعالى في كتابه عمدة القاري في شرح صحيح البخاري:-
(فِيْهِ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِيْنَ)
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله جلّ وعلا في الفتح:-
(فَهُوَ حُجَّةٌ فِي التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ).
وفي الصحيح أنَّ السيّدة أسماء بنت سيّدنا الصديق رضي الله تعالى عنهما:-
(أَخْرَجَتْ جُبَّةَ طَيَالَسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةً لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ فَقَالَتْ: هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُهَا فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه للحديث:-
(فَفِيْهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِيْنَ وَاسْتِعْمَالِ فَضْلِ طَهُوْرِهِمْ وَطَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ وَلِبَاسِهِمْ أَوْ ثَيَابِهِمْ).
وعَنْ أم المؤمنين السيّدة عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ:-
(كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَاكُ فَيُعْطِينِي السِّوَاكَ لأَغْسِلَهُ فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ ثُمَّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود عزّ شأنه.
وجاء في كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود رحمه الله تعالى ما نصّه:-
(وَالحَدِيْثُ فِيْهِ ثُبُوْتُ التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِيْنَ وَالتَّلَذُّذِ بِهَا).
وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهَا قَالَتْ:-
(دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فَقَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ تَعْنِي إِزَارَهُ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ جلاله.
ذكر الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار:-
(وقوله (فقال أشعرنها إيّاه) أي الففنها فيه لأنّ الشعار ما يلي الجسد من الثياب والمراد اجعلنه شعارا لها، قال في الفتح: قيل الحكمة في تأخير الإزار معه إلى أنْ يفرغنَ من الغسل ولم يناولهن إياّه أوّلا ليكون قريب العهد من جسده حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين).
وعَنْ سيّدنا أَنَسٍ رضي الله سبحانه عنه قَالَ:-
(كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ وَفِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَهُ وَفِي يَدِ عُمَرَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسَ قَالَ فَأَخْرَجَ الْخَاتَمَ فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ قَالَ فَاخْتَلَفْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ عُثْمَانَ فَنَزَحَ الْبِئْرَ فَلَمْ يَجِدْهُ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.
ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ما ذكره ابن بطال رحمهما الله جلّ وعلا في شرحه للحديث:-
(وَفِيهِ اِسْتِعْمَال آثَار الصَّالِحِينَ وَلِبَاس مَلَابِسهمْ عَلَى جِهَة التَّبَرُّك وَالتَّيَمُّن بِهَا).
وعَنِ سيّدنا ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قَالَ:-
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْوُضُوءُ مِنْ جَرٍّ جَدِيدٍ مُخَمَّرٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ مِنَ الْمَطَاهِرِ؟ فَقَالَ: لا، بَلْ مِنَ الْمَطَاهِرِ، إِنَّ دِينَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ إِلَى الْمَطَاهِرِ، فَيُؤْتَى بِالْمَاءِ، فَيَشْرَبُهُ، يَرْجُو بَرَكَةَ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ شأنه.
وقال سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه والكرام:-
(جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا، قَالَ: فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي، قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلْ الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَمَا تَوَارَتْ بِيَدِكَ مِنْ شَعْرَةٍ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فَالْآنَ مِنْ قَرِيبٍ، قَالَ: رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَنْبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ) الإمام أحمد رحمه الله جلّ ذكره.
قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى في شفاء السقام في شرحه للحديث ما نصّه:-
(وَفِيْهِ اسْتِحْبَابُ مَعْرِفَةِ قُبُوْرِ الصَّالِحِيْنَ لِزِيَارَتِهَا وَالقِيَامِ بِحَقِّهَا).
وقال الإمام ابن قدامه رحمه الله تعالى صاحب المغني في فصل (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَجَّ أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ:-
(وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ — إلى أنْ قَالَ: وَقَالَ أحمدُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَشْفِيَ بِشَيْءِ مِنْ طِيبِ الْكَعْبَةِ، فَلْيَأْتِ بِطِيبٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَلْيَلْزِقْهُ عَلَى الْبَيْتِ، ثُمَّ يَأْخُذْهُ)
وفي هذا إشارة واضحة لالتماس بركة الكعبة.
ولمّا كان انتقال البركة إلى الغير مشروعًا كما بَيّنَتْ النصوص الشريفة وأقوال العلماء المباركة سابقة الذكر، فالمسلمون سلفًا وخلفًا لَمْ يزالوا يزورون قبر النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وأصحابه وسلّم وقبور الأولياء رضي الله تعالى عنهم وعنكم للتبرّك والاستشفاء بآثارهم من غير إنكار من أحد منهم، وليس معنى الزيارة للتبرّك أنّ الرسول أو الوليّ يخلق لهم البركة بزيارتهم لقبره، إنّما الله تبارك وتعالى هو الذي يخلقها فيهم، ويَنفعُ بها غيرَهم، فالزائر يرجو البركة من الله عزّ وجلّ عندهم، وما تحويه كتب المحدثين والمؤرخين في ذلك كثير أذكر بعضا منها:-
ففي تاريخ بغداد ذكر الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى عن أبي الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري قال:-
(سمعت أبي يقول قبر معروف الكرخي مجّرب لقضاء الحوائج ويقال إنّه من قرأ عنده مائة مرة قل هو الله أحد وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته)
فانظروا يا رعاكم الله تعالى كيف أكّدوا حقيقة التوحيد بقراءة سورته المميزة الخاصة (سورة الإخلاص) ثمّ دققوا النظر مرّة أخرى في قوله رحمه الله جلّ وعلا (وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته).
وذكر أيضا: عن أبي عبد الله بن المحاملي رحمه الله تعالى يقول:-
(أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة ما قصده مهموم إلاّ فرج الله همّه) وما قلتُ فيما سبق يقال هنا أيضا، وأنّ الذي يفرّج الهمّ هو الله سبحانه.
وعن علي بن ميمون رحمه الله تعالى قال:-
(سمعت الشافعي يقول إنّي لأتبرّك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كلّ يوم يعني زائرًا فإذا عرضت لي حاجة صلّيت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى) تاريخ بغداد (1/445).
وأخرج الإمام ابن عساكر والإمام السبكي رحمهما الله تعالى عن الربيع بن سليمان قال:-
(إنَّ الشافعي رحمه الله خرج إلى مصر فقال لي: يا ربيع خذ كتابي هذا فامض به وسلّمه إلى أبي عبد الله وائتني بالجواب، قال الربيع: فدخلت بغداد ومعي الكتاب فصادفت أحمد بن حنبل في صلاة الصبح فلمّا انفتل من المحراب سلّمت إليه الكتاب وقلت له: هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر، فقال لي أحمد: نظرت فيه؟ فقلت: لا، فكسر الختم وقرأ فتغرغرت عيناه، فقلت له: إيش فيه يا أبا عبد الله؟ فقال: يذكر فيه أنّه رأى النبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في النوم فقال له: اكتب إلى أبي عبد الله فاقرأ عليه السلام وقل له: إنّك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم فسيرفع الله لك علما إلى يوم القيامة، قال الربيع: فقلت له: البشارة يا أبا عبد الله، فخلع أحد قميصيه الذي يلي جلده فأعطانيه، فأخذت الجواب وخرجت إلى مصر وسلّمت إلى الشافعي، فقال: إيش الذي أعطاك؟ فقلت: قميصه، فقال: الشافعي ليس نفجعك به ولكن بلّه وادفع إليّ الماء لأتبرك به).
وجاء في الآداب الشرعية لابن مفلح المقدسي رحمه الله عزّ وجلّ:-
(وقال المروذي في كتاب الورع سمعت أبا عبد الله [يعني الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى] يقول: قد كان يحيى بن يحيى أوصى لي بجبته فجاءني بها ابنه فقال لي: فقلت: رجل صالح قد أطاع الله فيها أتبرّك بها).
هذا بعد مماتهم فالاستشفاء بالتماس بركتهم وبدعائهم في حياتهم من باب أولى، فهذا سبيل المؤمنين من السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم وعنكم، والنصوص التي تشرفنا بها وغيرها كثير لكن لا يسع المقام لذكرها جميعا تبيّن طريق الهدى، فلا ينبغي لأحد بعد هذا أنْ يشكّ لحظة بعدم جواز التبرّك بكلّ مبارك سواء كان شخصا – حيًّا أو ميتًا – أو زمنًا أو مكانًا مخافةً أنْ يشمله العقاب الربّاني المذكور في قوله سبحانه:-
{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [سورة النساء: 115].
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.