2013/11/07

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أتمنى أنْ تكونوا بصحة جيدة وأسأل الله أنْ يزيدكم علما.

سعادة الشيخ لديّ سؤال وأريد أنْ أتاكّد من صحته والسؤال هو: هل يوجد رجم في الإسلام؟ وما هو الدليل على ذلك؟ حسب رأيي أعتقد أنه يوجد، ولكن أنتم بالتأكيد تعرفون أكثر منّا وأنتظر جوابكم، ووفقكم الله لما يحب ويرضاه.

 

الاسم: جودت

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته أسأل الله الرّحيم التوّاب أنْ يفتح علينا وعليكم مِنَ الخير كلّ باب، إنه سبحانه الكريم الوهاب.

قال الله سبحانه وتعالى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/ 7].

ولقد وردت أحاديث كثيرة تدلّ على وجوب إتباع السنة المطهّرة وأنها مصدر من مصادر التشريع:-

منها: قول سيّدنا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) الإمام أبو داود رحمه الله عزّ وجلّ.

فالرجم ثبت بأحاديث كثيرة منها:-

(إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الْخَصْمُ الْآخَرُ وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ: نَعَمْ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَتْ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

وأنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ قَالَ (خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

قَالَ سيّدنا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه  وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

وعَنْه  أيضا رضي الله تعالى عنه قَالَ (رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمَ أَبُو بَكْرٍ وَرَجَمْتُ وَلَوْلَا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَزِيدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُهُ فِي الْمُصْحَفِ فَإِنِّي قَدْ خَشِيتُ أَنْ تَجِيءَ أَقْوَامٌ فَلَا يَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَكْفُرُونَ بِهِ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

وعَنْ سيّدنا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ سبحانه عَنْهُ حِينَ رَجَمَ الْمَرْأَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ (قَدْ رَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

وقد اتفق فقهاءُ الأمّة رضي الله جلّ وعلا عنهم وعنكم على (أنَّ حدَّ الزاني البكر الحرّ مائة جلدة، وحدَّ الزاني الحرّ المحصن الرجم حتى الموت) كتاب مراتب الإجماع والإقناع في مسائل الإجماع.

الإحصان لغة: مِن أحصن إحصاناً, والحصن موضع حريز لا يُوصل إلى ما فيه، فهو حصين ومن معانيه أيضا َالدخول في الحصن أو المنع قال تعالى {لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء عليهم الصلاة والسلام /80].

وفي الاصطلاح: هو مجموع الصفات الواجب توافرها في الشخص ليستحق الرجم في الزنا, ويستحق قاذفه حدّ القذف, وهذه الصفات هي:- الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والدخول في نكاح صحيح، ويضاف إليها في القذف العفة من الزنا. معجم لغة الفقهاء

(واتفقوا على أنّ الزنا يثبت بالبينة، أو الإقرار، ولا بدّ في الشهود من العدالة والتكليف، وفي المُقِرّ من التكليف، وكونه قادراً على فعل ما أقرّ به، وأنْ يكون الإقرار مفصلاً) كتاب مراتب الإجماع والإقناع في مسائل الإجماع.

قال ابن قدامة رحمه الله تعالى (كلّ زناً أوجب الحد لا يقبل فيه إلا بأربعة شهود باتفاق العلماء).

(واتفقوا على أنَّ العلم بالتحريم شرط من شروط إقامة الحد) حاشية رد المحتار لابن عابدين رحمه الله تعالى، فلا حدّ مع الجهل بالتحريم، والعذر بالجهل لا يُقبل من كلّ مدع ٍ فمَن ادّعى الجهل في الأمور المعلومة، لا يُقبل ادعاؤه إلا بقرينة تؤكّد صدقه؛ كأنْ يكون حديث عهد بالإسلام، أو بإفاقة مِنْ جنون، أو نشأ بمكانٍ بعيد عن المسلمين.

(واتفقوا على أنَّ الحدَّ لا يقامُ على الحامل حتى تضعَ حملها سواء أكان الحمل مِنْ زناً أو غيره، وذلك حفظاً لحياة الجنين مِنْ أنْ تُنتَهكَ أو تُتلَفَ) الإجماع لابن المنذر رحمه الله تعالى ومراتب الإجماع.

وينبغي التنبيه إلى أمرين مهمين:

الأوّل:- إنَّ الرَّجْمَ كان موجودا في الشرائع السماوية السابقة أيضا، فعَنْ سيّدنا عبد الله بْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أَنَّ (الْيَهُودَ أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ قَدْ زَنَيَا، فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمْ؟ فَقَالُوا: تُسَخَّمُ وُجُوهُهُمَا وَيُخْزَيَانِ، قَالَ: كَذَبْتُمْ إنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَجَاءُوا بِالتَّوْرَاةِ وَجَاءُوا بِقَارِئٍ لَهُمْ فَقَرَأَ حَتَّى إذَا انْتَهَى إلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ تَلُوحُ، فَقَالَ أَوْ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إنَّ فِيهَا الرَّجْمَ وَلَكِنَّا كُنَّا نَتَكَاتَمُهُ بَيْنَنَا، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا، قَالَ: رَأَيْتُهُ يَجْنَأُ عَلَيْهَا يَقِيهَا الْحِجَارَةَ بِنَفْسِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الثاني:- اتفق الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على أنَّهُ لا يُقيمُ الحدَّ إلا الإمام أو نائبه وذلك لمصلحة العباد وهي صيانة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، والإمام قادرٌ على الإقامة لشوكته ومنعته وانقياد الرعية له قهراً وجبراً، كما أنّ تهمة الميل والمحاباة والتواني منتفية عن الإقامة في حقه فيُقيمها على وجهها، فيحصل الغرض المشروع بيقين، ولأنّ النبي صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم كان يُقيم الحدود وكذا خلفاءه من بعده رضي الله تعالى عنهم جميعاُ، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع (أمّا الأحكام فإنّه متى وجب حدّ الزنا أو السرقة أو الشرب لم يجز استيفاؤه إلا بأمر الإمام، أو بأمر من فوض إليه الإمام النظر في الأمر بإقامة الحد، لأنّ الحدود في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم لم تستوف إلا بإذنهم، ولأنّ استيفاءها للإمام).

والحكمة من مشروعية الرجم وعدم الاكتفاء بمضاعفة الجلد أنّ هذا حكم الله جل وعلا القائل في كتابه العزيز {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة/ 50]، وقال سبحانه {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين/ 8]، فالله عزّ وجلّ أعلم بما يصلح عباده وهو أعلم بهم من أنفسهم جلَّ جلاله وعمَّ نواله {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك/ 14]، وهو سبحانه أرحم من الوالدة بولدها، وهو أرحم الراحمين، والقسوة أحيانا للتطهير والتقويم إنما هي في حقيقتها رحمة.

فعلينا أنْ نُوقن بأنَّهُ لا حكم أفضل مِنْ حكم الله جلّ وعلا، بل لا يوجد ما يضاهيه أو يدانيه، كما علينا أنْ نُسلِّم لحكمه سبحانه، ونرضى به ولو لم يتبيّن لنا وجهُ الحكمة فيه.

والله عزّ وجلّ أعلم.