2013/11/10

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كيف حالكم حضرة الشيخ عسى أنْ تكونوا بخير، سيّدي حضرة الشيخ ما حكم مَنْ يعمل بالأبراج التي يؤخذ مواليد الشخص ثمّ يعرفون أي الأبراج من خلال المواليد كبرج الحمل أو الحوت وما شاكل ذلك؟ ما حكم مَنْ يؤمن بهذه الأبراج؟ وما حكم مَنْ يعمل بها؟ أفيدونا جزاكم الله عنا خير الجزاء.

 

الاسم: احمد الاوسي

 

الرد:     

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك جزيل الشكر على سؤالك عنّي، وأسأل الله عزّ وجلّ أنْ يجزيك وجميع المسلمين خير الجزاء.

مِنَ الأمور المُسَلّمة بها أنّ الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله تعالى، قال سبحانه {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل/65]، وما سوى ذلك فمِن الممكن أنّ الحقّ جلّ جلاله وعمَّ نواله يُظْهِرُ مَنْ يشاء مِنْ خلقه على بعض الغيب، إمّا منحة منه تبارك وتعالى، وإمّا بتسهيل أسبابه بالبحث والتجربة والاستقراء والتتبع والفراسة، ففي الصنف الأول قوله تعالى {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} [الجن/26، 27]، وقد يعرف المؤمن بعض الغيب بفراسته التي قد تكون منحة من الله تعالى أو ثمرة من ثمرات التقوى والقرب من المولى جلّ وعلا بكثرة الطاعات والأذكار والقُربات؛ قال سيّد السادات عليه من الله تعالى أفضل السلام وأزكى الصلوات وآله وصحبه أهل المكرمات (اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فإنه يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ {إِنَّ في ذلك لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وكذا سائر الأمور الكسبية، فالبحث والتجربة والتتبع والاستقراء كلها وسائل لكسب العلوم التي تجعل صاحبها يعرف أمورا تكون غيبا لمَنْ يجهلها، فالطبيب مثلا يعرف من أحوال المريض ما هو غيب عمّن سواه، وكذا فإنّ العلماء الربانيين أطباء القلوب رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فهم يطلعون على أحوال القلوب وتقلباتها، بما هو غيب عمّن سواهم.

ولقد عرف الناس بالتجربة والاستقراء بعض الظواهر الكونية وبعض تأثيراتها على الكون والحياة كظاهرة المدِّ والجزر المرتبطة بكمال القمر بدرا، وظاهرة الكسوف والخسوف وغيرها، فإذا ما أخبرت أحدهم قبل بضعة عقود بأنّ ماء البحر سينحسر أو أنّ ضوء الشمس أو القمر سيختفيان، فإنّه سيقول لك هذا ضرب من الغيب أنّى لك معرفته، وغدا هذا اليوم من الأمور المسلمة بها، بل أنّ العلم الحديث يعطيك الوقت الدقيق لحصول الكسوف أو الخسوف ولسنين عديدة مقبلة، وأين يمكن مشاهدة ذلك الكسوف أو الخسوف من عدمه، إلى غير ذلك من الأمور الغيبية سابقا، ولكنها غدت اليوم علما مشاهدا بسبب ما فتح الله تعالى على الناس من أسباب معرفة ذلك الغيب، وعلم الفلك والأبراج من العلوم العظيمة والمهمة فهي من العلوم التي تعرفنا بعظمة الله تعالى وقدرته وجمال صنعته، وقد ذكر القرآن الكريم ذلك في آيات عدة منها {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة/75،76]، وقال بعض المفسرين رضي الله تعالى عنهم وعنكم: إنّ مواقع النجوم (هي مواضعها في السماء في بروجها ومنازلها) التفسير الكبير للإمام الرازي رحمه الله تعالى.

وفي قوله تعالى {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ} [الصافات/88] (أي فتأمل نوعا من التأمل في أحوالها وهو في نفس الأمر على طـُـرز تأمل الكاملين في خلق السماوات والأرض وتفكرهم في ذلك إذ هو اللائق به عليه السلام لكنه أوهمهم أنه تفكر في أحوالها من الاتصال والتقابل ونحوهما من الأوضاع التي تدل بزعمهم على الحوادث ليرتب عليه ما يتوصل به إلى غرضه الذي يكون وسيلة إلى إنقاذهم ممّا هم فيه…) تفسير روح المعاني للآلوسي رحمه الله تعالى، فهذا العلم قد عرفه الإنسان منذ القِدم وما زال يتعرف على المزيد منه، قال تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت/53]، ولقد كان هذا العلم ولا يزال مِنَ العلوم التي يدرسها علماء الإسلام، واشتهر فيه علماء كبار منهم: البيروني، البتاني، ابن الهيثم، الخوارزمي، ابن الشاطر، السرخسي، السجزي المزي، وغيرهم كثير رحمهم الله تعالى جميعا.

فإذا كان هذا العلم ممّا يتعلق بمعرفة زمن حدوث بعض الأحداث وتعلقها بظواهر معينة على وفق ما قدّره الله تعالى فلا بأس بذلك، أمّا الاعتقاد بأنّ هذه النجوم أو الظواهر هي المسببة للحوادث فذلك كفر بواح ـ نعوذ بالله تعالى منه ـ فالعلم سَهَّل لنا معرفة وقت ومكان تساقط المطر، وهو مِنَ الله تعالى الكريم المنان، أمّا الاعتقاد بأنّ المطر نزل بفعل كوكبٍ أو نجمٍ فذلك كفر كما أخبر بذلك الرحمة المهداة صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، فعن سيّدنا زَيْدِ بن خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ قال (صلى لنا رسول اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ على إِثْرِ سَمَاءٍ كانت من اللَّيْلَةِ فلما انْصَرَفَ أَقْبَلَ على الناس فقال هل تَدْرُونَ مَاذَا قال رَبُّكُمْ قالوا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قال أَصْبَحَ من عِبَادِي مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ فَأَمَّا من قال مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا من قال بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وعليه فمَن استخدم العلوم المشروعة في معرفة بعض الظواهر واحتمالية حدوثها في بعض الأوقات فلا حرج بذلك معتقدا بأنّ الفاعل هو الله تعالى، وهو القادر على تغيّر تلك السُنن الكونية والقوانين الطبيعية، وعدم حدوث شيء منها رغم توفر أسباب حدوثها، قال تعالى {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [القصص/71،72].

أمّا ما كان على سبيل الشعوذة والدجل والرجم بالغيب فهذا كله حرام صريح، وهي مِنَ المهلكات والعياذ بالله سبحانه لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (مَنِ اقتبسَ باباً من علم النجومِ لغيرِ ما ذَكَرَ اللَّهُ فقدِ اقتبسَ شعبةً منَ السحرِ، المنجِّمُ كاهنٌ، والكاهنُ ساحرٌ، والساحرُ كافرٌ) مشكاة المصابيح (2/1296)، وقال أيضا (مَن أتى عرافا أو كاهنا فصدّقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) الإمام الحاكم رحمه الله تعالى، قال الإمام الخطابي رحمه الله تعالى (كان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرا من الأمور فمنهم من يزعم أن له رئيا من الجن يلقي إليه الأخبار ومنهم من يدعي استدراك ذلك بفهم أعطيه ومنهم من يسمى عرافا وهو الذي يزعم معرفة الأمور بمقدمات أسباب استدل بها كمعرفة من سرق الشيء الفلاني ومعرفة من يتهم به المرأة ونحو ذلك ومنهم من يسمى المنجم كاهنا قال والحديث يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء كلهم والرجوع إلى قولهم وتصديقهم فيما يدعونه) شرح الإمام النووي على صحيح مسلم رحمهما الله جلّ وعلا (5/22)، وأرى أنّ ترك هذه الأمور أولى.

والله تعالى أعلم.