2013/11/11

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، بارك الله فيكم سيّدي حضرة الشيخ وأدامكم الله تعالى لأمّة الإسلام، أمة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، سيّدي لقد توفي والدي رحمه الله تعالى قبل أسبوع وكان معلما للقرآن العظيم وحافظا له، وكان قد مرض منذ 3 أعوام مرضا شديدا أفقده ثلاثة أرباع وزنه وعانى ما الله تعالى أعلم بحاله، فأرجوا من حضرتكم أنْ تدعو له بالمغفرة والثبات وأنا كثير التفكير فيه، وإنْ تدلوني على أعظم أعمال البر أقدمها له بعد وفاته، حفظكم الله تعالى للإسلام والمسلمين.

 

الاسم: محمد جمعة محمد أمين

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله جلّ وعلا خيرا على دعواتك الطيبة وأدعو لك بمثلها.

بداية أسأل الله جلّ جلاله وعمّ نواله أنْ يرحم والدك ويعفو عنه ويتغمدّه في فسيح جناته إنّه سبحانه منزل القرآن ومكرم مَنْ تعلمه وحفظه وتلاه وعلّمه، فهو القائل جلّ في علاه {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} [الإسراء/45]، وقال نبيّنا الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (خيركم مَنْ تعلّم القرآن وعلّمه) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وإذا كان وزن والدك رحمه الله جلّ وعلا قد خفّ بسبب المرض فاعلم أنّ وزنه عند الله عزّ وجلّ كبير وعظيم، قال مَنْ أنزل عليه القرآن عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه أهل العرفان (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) الإمام البخاري رحمه الله سبحانه، وقال لسيّدنا أبي ذر رضي الله تعالى عنه (عليك بتلاوة القرآن فإنّه نورٌ لك في الأرض وذخرٌ لك في السماء) الإمام ابن حبان رحمه الله عزّ وجلّ، وقال أيضا (اقرؤوا القرآن فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وقال (مَنْ قرأ القرآن وعمل به ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوءُهُ أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا فما ظنكم بالذي عمل بهذا) الإمام أبو داود رحمه الله جلّ وعلا، وقال (يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول القرآن: يا رب حلّه، فيُلبس تاج الكرامة، ثمّ يقول: يا رب زده، فيُلبس حلّة الكرامة، ثمّ يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق ويزداد بكلّ آية حسنة) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، والأحاديث الشريفة في هذا الباب كثيرة.

أمّا مرضه قبل موته فإني أسأل الله تعالى أنْ يكون علامة على رحمة الله جلّ وعلا به، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (ما مِنْ مسلم ابتلاه الله في جسده إلا كتب له ما كان يعمل في صحته ما كان مريضا، فإنْ عافاه عَسَلَهُ – أي جعل له طيب الثناء بين الناس – وإنْ قبضه غفر له) الإمام البخاري في الأدب المفرد، وعن أم العلاء رضي الله تعالى عنها قالت: (عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريضة فقال: أبشري يا أم العلاء فإنّ مرض المسلم يُذهب اللهُ به خطاياه كما تذهب النارُ خبثَ الذهب والفضة) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.

وأوصيك أنْ تعمل بهذين الحديثين الشريفين:

الأوّل: قوله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، فكن ولدا صالحا تدعو لأبيك رحمه الله تعالى.

الثاني: قوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (إنّ أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، والمعنى يفسّره ويوضحه ما رواه سيّدنا مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله تعالى عنه إذ قال (بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله هل بقي مِنْ برّ أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم الصلاة عليهما – أي الدعاء لهما – والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما مِن بعدهما – أي تنفيذ وصيتهما – وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى، وقد حذّر المصطفى صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم من الغفلة عن هذا النوع من البرّ فقال (احفظ ود أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك) الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الأدب المفرد.

وفي الختام أسأل الله العليم العلام أنْ يلهمك الصبر والسلوان، ويرحم أباك وجميع موتى المسلمين برحمته إنّه سبحانه أرحم الراحمين.