2013/11/12

مشاركة من فضيلة الشيخ مثنى جزاه الله عزّ وجلّ خيراً.

:: الموت بالمدينة المنورة صلى الله تعالى وسلم وبارك على ساكنها وآله وصحبه أجمعين ::

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمّا بعد: فقد بيّنت الكثير من نصوص الشرع الشريف فضل المدينة المنورة على ساكنها الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام فمن القرآن الكريم قول الله جلّ وعلا: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء/80]، فقوله تعالى{مُدْخَلَ صِدْقٍ} يعني المدينة المنورة، وقوله سبحانه {مُخْرَجَ صِدْقٍ} يعني مكة المكرّمة، فقدّم ذكر المدينة المنورة على مكة المكرّمة، وكان الأصل أنْ يكون العكس لأنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم كان بمكة المكرّمة حينما نزلت هذه الآية الكريمة، قال سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: (كان النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة ثمّ أمر بالهجرة، فنزلت) الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وهذا يدلّ على فضل المدينة المنورة ومنزلتها السامية عند الله تبارك وتعالى، كيف لا وهي مدينة حبيبه وصفيّه وخليله المكرّم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم.

ومن السنّة المطهرة قوله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه (مَن استطاع أنْ يموتَ بالمدينة فليَمُتْ بها فإنّي أشفع لمَنْ يَموتُ بها) الأئمة الترمذي وابن ماجة وأحمد وابن حبان رحمهم الله تعالى، وهو حديث صحيح

وورد في رواية أخرى (مَن استطاعَ منكم أنْ يموتَ بالمدينة فليَمُتْ فإنّه لا يَموتُ بها أحدٌ إلا كنتُ له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.

قال شرّاح الحديث: (قوله (مَن استطاع) أي قَدِرَ (أنْ يموت بالمدينة) أي يقيم بها حتى يدركه الموت (فليَمُتْ بها) أيْ فليُقِمْ بها حتى يموت، فهو حثّ على لزوم الإقامة بها (فإنّي أشفع لمَنْ يموتُ بها) أي أخصّه بشفاعتي غير العامة زيادة في إكرامه) تحفة الأحوذي (10/286)

ولا يستطيع أحد أنْ ينكر فضل الإقامة في المدينة المنورة، لاسيما في آخر الزمان لقول النبيّ العدنان عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه أهل الفضل والعرفان (والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

والذي أريد أنْ أصلَ إليه هو أنّ شرّاح الحديث رضي الله تعالى عنهم فسّروا حرف الباء الوارد في الحديث الشريف أكثر من مرّة بأنّ معناه (في) فيكون المراد (مَن استطاع أنْ يموت في المدينة فليمت فيها فإني أشفع لمَنْ مات فيها)

وأرى أنّ معنى قوله (في المدينة) غير معنى قوله (بالمدينة)، فالفرق بين (الباء) و (في) كبير، وفي تفسير الباء بـ (في) تكلّف لا ضرورة له مادام بالإمكان فهم النص بما يناسبه، ولو كان المراد بحرف (الباء) الحرف (في) لكان النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم قد قال (في المدينة) بدلا من (بالمدينة) وقال (فيها) بدلا من (بها) وهو الذي قال فيه ربّه جلّ وعلا: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم/3، 4]، وقال هو عن نفسه (أعطيت جوامع الكلم —) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

إذن: الأوْلى أنْ نحاول فهم حكمة من الحكم التي أرادها النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بإيراد حرف الباء هنا بدلا من الحرف (في).

وأقول وبالله تعالى التوفيق: إنّ حرف الباء في لغة العرب له معان كثيرة أوْصلها بعضهم إلى (14) معنى أو أكثر، ومن تلك المعاني التي يمكن أنْ تتناسب مع الحديث الشريف: الباء السببية، فيصبح المعنى: (مَن استطاع منكم أنْ يموت بسبب المدينة فليمت فإني أشفع لمَنْ مات بسببها) ودائرة الذين يموتون بسبب المدينة المنورة صلى الله تعالى وسلم على ساكنها وعلى آله وصحبه أوسع بكثير من دائرة الذين يموتون فيها، فكم مِن مسلم يتمنّى الموت بالمدينة لحبّه الشديد لها فلم يتسنّ له ذلك؟ وكم من مسلم يسعى جاهدا لأنْ يسكن في المدينة ويكون من أهلها فلم يَقْدِر لأسباب كثيرة؟ كم وكم؟

إنّ هذا التفسير يتناسب مع رحمة صاحب المدينة صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم الذي قال فيه ربّه جلّ في علاه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء عليهم الصلاة والسلام/107]، ويبعث في نفوس أمته البشر ليحمدوا الله تعالى ويشكروه على هذه النعمة العظيمة الجليلة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

الرد:

جزاك الله تعالى خيرا على هذه المشاركة المباركة التي تتوافق مع لغة العرب والقواعد المتبعة في استنباط النصوص، أسأل الله جلّ جلاله وعمّ نواله أنْ يوفقنا جميعا لخدمة هذا الدين ويكرمنا بأعتاب حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين برحمته إنه سبحانه أرحم الراحمين.