2013/11/20
السؤال:
السلام عليكم، يا شيخ أنا من كم شهر دزيتلك وقلت لك والدتي تتهمني بأني على علاقة غير شرعية مع والدي ولاقيت منها كلّ أنواع العذاب منها الضرب والكلام الجارح والبشع وحتى الطعام أتت أيام لا أتناول فيها شيء ووصل بها الفكر بأن أضع مواد منومة لإخواني وشكّكت بأخلاقي عند صديقاتها وفعلت الأبشع من ذلك منها القول لوالدي بأني لست بنتا وأراد أنْ يقتلني لولا رحمة الله ولطفه أنقذني من تلك المحنة وبالصبر والدعاء حاليا هدأت الأمور لكن ترفض أي شخص يتقدم لخطبتي وتريد أن أسمعها وأكلمها وأشكرها لأنها سترت عليّ!! وأصلي وأقرأ القرآن بالسر لأنها تحتقرني وترفض أنْ تراني بذلك الحال لأني بنظرها منافقة!! وعندما نخرج لأقاربنا تتباهى بجمالي والذهب الذي لدي!! المشكلة أني بدأت أختنق ولم أعد أتحملها وبداخلي أسبها أحيانا أو قد أدعو عليها ولا أكلمها وأنا أحاول أبتعد عن ذلك لكن المشكلة أبقى أنا بشر ولي قابلية بالتحمل وسؤالي هنا هل أعتبر عاقة لها؟؟ وهل سيعاقبني الله على ذلك؟؟ وما حكم القول لخالتي ما فعلته أمي بي؟؟
عذرا للإطالة جزاك الله خير الجزاء.
الاسم: المتوكلة على الله
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وشكرا جزيلا لكم لتواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك الذي أسأل الله عزّ وجلّ أنْ يكون مشعل هداية للناس أجمعين.
وبعد فلقد أمر الله سبحانه بطاعة الوالدين وشدّد في ذلك لعظم حقّهما، وقرَنَ عبادته وطاعته تعالى بطاعتهما والإحسان إليهما فقال عزّ من قائل:-
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [سورة الإسراء: 23 ـ 24].
كما أنّ الله تعالى قرَن بين شكره وشكر الوالدين فقال تعالى بعد أن بدء بالوصية بهما:-
{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [سورة سيّدنا لقمان عليه السلام: 14 ـ 15].
فالآية الكريمة أمرت بالإحسان إلى الوالدين ومصاحبتهما بالمعروف وإنْ بذلا الجهد في محاولة إخراجك من دين الإسلام ومنهج التوحيد إلى الشرك بالله تعالى الحميد المجيد ـ والعياذ بالله عزّ وجلّ ـ وما ذلك إلا لعظيم حقهما وكبير فضلهما، وأخصّ منهما ما خصّه الرحمة المهداة سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم فقد أمر للأمّ بمزيد عناية واهتمام، فعَنْ سيّدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ:-
(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صُحْبَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ، فقَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبُوكَ) الإمام ابن حبان رحمه الله جلّ وعلا.
فإذا ورد النهي عن قولك أفّ للوالدين فما فوقه كان آكد في النهي والتحريم، فسبّ الوالدين سرًّا أو جهرًا ومقاطعتهما من العقوق، وهي كبيرة من الكبائر؛ قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ ثَلَاثًا، قالوا: بَلَى يا رَسُولَ اللَّهِ، قال: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وكان مُتَّكِئًا فقال: ألا وَقَوْلُ الزُّورِ، قال: فما زَالَ يُكَرِّرُهَا حتى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
ولقد عدَّ الرسول الكريم عليه من الله تعالى أفضل صلاة وتسليم وعلى آله وصحبه أجمعين مَنْ تسبّب في سبّ والديه عاقّا لهما، فكيف بمَنْ باشر سبّهما بنفسه؟ فقال:-
(إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أمَّهُ فَيَسَبّ أُمَّهُ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.
وَعَنْ سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:-
(سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، أَنَّهُ شَهِدَ ابْنَ عُمَرَ وَرَجُلٌ يَمَانِيٌّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، حَمَلَ أُمَّهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، يَقُولُ:-
إِنِّي لَهَا بَعِيرُهَا الْمُذَلَّلُ *** إِنْ أُذْعِرَتْ رِكَابُهَا لَمْ أُذْعَرِ.
ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ أَتُرَانِي جَزَيْتُهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَا بِزَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا في الأدب المفرد.
ومن هنا جاء التأكيد على برّ الوالدين في الكتاب الكريم والسُنّة المشرّفة على صاحبها أفضل صلاة وتسليم وعلى آله وصحبه المكرمين، وعلى وجه الخصوص الأم؛ لأنّ المرء قد ينسى حين يكبر ما قدّمته الأمّ من طول الحمل وآلام الوضع وسهر الليالي والصبر على خدمة ومراعاة الطفل حتى يكبر بما لا يقوى على ذلك سواها، وبذا جاء تخصيص خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين بالنهي عن عقوق الأمهات فقال:-
(إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ وَمَنَعَ وَهَاتِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وقال وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه.
فينبغي عليك رعاك الله تعالى البر بأمك والإحسان إليها والصبر عليها فمهما فعلت الأم، وقست على أولادها بالكلام وسائر التصرفات يبقى قلبها الحنون يفيض بعاطفة الأمومة وإنْ أخفتْ ذلك أو لم تُظهره لقلة فهم أو لمرض نفسي أو اضطراب عقلي، وعليك شرح كل هذه الأمور لوالدك الكريم فلعلّ ما بوالدتك هو شيء ممّا ذكرتُ، وهنا على الوالد أنْ يبادر بعرضها على طبيب مختص أو إرشادها بما ينبغي أنْ تتحلّى به الأمّ المسلمة من الحفاظ على أولادها، وعلى نحو خاصّ البنات فتتخذهنّ صاحبات وحبيبات، تُسرع في حلّ مشاكلهنَّ، وتسعى في تزويجهنَّ على النحو الذي يرضي الله سبحانه ورسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، وعليها التخلّي عن تلك الأفكار السوداء والوساوس الرعناء، وتتقي الله تعالى في بنتها فعِرضهما سواء، وما يصيب البنت يُصيب أمها، ولتعلم أنّ ما تفعله شيء مريع وبهتان فظيع، فالقذف حدٌّ من حدود الله تعالى، قال عزّ من قائل:-
{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة النور: 23].
فينبغي على الأمّ أنْ تتوب إلى الله تعالى وتقلع فورا عن هذه الأعمال المشينة التي يصعب على المرء أنْ يصدق بأنها تصدر من أم حقيقة.
وينبغي عليك أيضا مراجعة نفسك والبحث عن الأسباب التي أدت إلى ما آلت إليه الأمور فكل مشكلة لابد لها مِنْ أسباب يشترك فيها الطرفان، وإنْ كانت النسب متفاوتة ، ولا تتركي الدعاء لها وتمسكي بهدايات قول ربنا عزّ وجلّ:-
{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [سورة الأحقاف: 15].
وبهذه المناسبة نتوجّه إلى الآباء حفظهم الله تعالى أنْ يتابعوا بناتهم ولا يدعوا مسألة تزويجهنَّ على الأمهات فقط؛ فالأب هو المسؤول الأوّل في الأسرة، ولقد حمّل القرآن الكريم الوالد مسؤولية عظيمة، قال جلّ جلاله:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [سورة التحريم: 6].
ومن حضارة الإسلام الغرّاء أنْ يبادر الوالد بتزويج ابنته ممّنْ يراه كُفأ لها، فهذا سيّدنا عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه:-
(حِيْنَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ من خُنَيْسِ بن حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد شَهِدَ بَدْرًا تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ قال عُمَرُ: فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، قَالَ: سَأَنْظُرُ في أَمْرِي، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أبُوْ بَكْرٍ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلِيَّ شَيْئًا، فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُوْلُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُوْ بَكْرٍ فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِيْنَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ إِلَّا أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ذَكَرَهَا فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ تَرَكَهَا لَقَبِلْتُهَا) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
وللاطلاع على المزيد في هذا الموضوع أرجو مراجعة المشاركة المرقمة (290) في هذا الموقع المبارك.
كما أنّ حماية الأسرة ورعايتها ومتابعة الأولاد مسؤولية الأب والأمّ على حدّ سواء، يتقاسمان المسؤولية ويهتمان كلاهما بالبنين والبنات، فلا يترك الوالد متابعة البنات على زوجته فقط فهذا خطأ فادح، ولا تدع الأم متابعة الأولاد على الزوج فكلا الجنسين بحاجة لمتابعة الأبوين، كلاهما محتاج إلى العاطفة من جهة الأم وإلى الشعور بالقوة والثقة بالنفس، وهذا يجدونه عند الأب، قال الرحمة المهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ ومسؤول عن رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ في أَهْلِهِ وهو مسؤول عن رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ في بَيْتِ زَوْجِهَا ومسؤولة عن رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ في مَالِ سَيِّدِهِ ومسؤول عن رَعِيَّتِهِ) الإمام البخاري رحمه الله سبحانه.
كما ينبغي أنْ نذكّر هنا بأنّ الإسلام منظومة متكاملة فكما أنّ للآباء حقا على الأبناء فإنّ للأبناء حقا على الآباء، ولقد ورد أنّ رجلا جاء إلى سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه الوالد وابنه وبدأ يحاسب الولد على عقوقه لأبيه، ونسيانه لحقوقه، فقال الولد:-
يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه: أنْ ينتقي أمّه، ويُحسن اسمه، ويعلّمه الكتاب (أي القرآن الكريم)، قال الولد: يا أمير المؤمنين إنّ أبي لم يفعل شيئاً من ذلك، أمّا أمّي فإنّها زنجية كانت لمجوسي، وقد سمّاني جُعلاً (أي خنفساء)، ولم يعلمني من الكتاب حرفاً واحداً، فالتفت سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه إلى الرجل وقال له: جئت إليّ تشكو عقوق ابنك، وقد عققته قبل أنْ يعقّك، وأسأت إليه قبل أنْ يسيء إليك.
والرواية تؤكّد على معاني مهمة أثبتها الشرع الشريف في النصوص المباركة مِن آي الذكر الحكيم وأحاديث النبيّ الوسيم عليه من الله تعالى أفضل صلاة وتسليم وعلى آله وصحبه أجمعين، منها ضرورة اختيار الزوجة الصالحة وحسن اختيار أسماء الأبناء وأهمية تعليمهم القرآن الكريم وما هو ضروري في حياة الفرد المسلم ليكون نافعا لنفسه وأسرته وأمته، وكلّ ذلك ثبت بالدليل الصحيح.
وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (946) في هذا الموقع الميمون.
أمّا ما يخصّ النِعم التي منحها الله تعالى لعباده كالجمال والمال فذاك شيء حسن يُوجب شكر المنعم جلّ جلاله وعمَّ نواله، والوقوف عند أدب الشرع الشريف في التعامل مع هذه النعم، فلا نغتر بها فالجمال إلى زوال، والجمال الحقيقي هو جمال الروح والخُلق الجميل، والذهب قد أخذ اسمه من الذهاب فهو زائل كذلك، والغنى غنى النفس بالقناعة وإثرائها بالطاعات والباقيات الصالحات، ولنا أنْ نفرح بعد ذلك بالنِعم فرح الشاكرين الحامدين ونتمتع بها في إطار الشرع والدّين.
ولا بأس بإخبار خالتك أو مَنْ ترينه يؤثر إيجابا في العائلة بنيّة الإصلاح وتلمّس أسبابه لا بقصد التخريب بين الأم والخالة أو غيرها، وإنْ كان حصر هذه المشاكل ضمن إطار العائلة الضيق أولى وأفضل، لقوله جلّ ذكره:-
{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [سورة النور: 19].
ومِنَ المهم بمكان مصارحة الوالد بكلّ ذلك فإنْ تطلب الأمر بعد ذلك إخبار غيره فلا بأس.
وأسأل الله جلّ في علاه لكم ولجميع العوائل المسلمة الستر والألفة والسعادة في الدارين إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله تبارك اسمه أحكم وأعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.