2013/11/27
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فضيلة الشيخ أريد أن أسأل عن ظاهرة أشاهدها في صلاة الفجر، عندما نصلي الفجر في المسجد وعندما يقوم الإمام بقراءة دعاء القنوت الكلّ يرفع يده للدعاء وعندما يصل إلى دعاء ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة (وقنا عذاب النار) بعض المصلين يقلبون أيديهم عكس حركة الدعاء.
وكذلك بعد الصلاة عندما يقوم المؤذن بقراءة أذكار الصباح وعندما يقول (اللهمّ أجرنا من النار) و (اللهمّ خلصنا من النار) كذلك بعض المصلين يقومون بمد أيديهم وقلبها عكس حركة الدعاء، ما أصل هذه الحركة هل هي سنة عن نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؟ مع جزيل الشكر ووفقكم الله في هذا الموقع المبارك.
الاسم: محمد رشيد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وأسأله جلّ وعلا أنْ يوفقك وجميع المسلمين لما يحب ويرضى.
وبعد: يقول الرسول الأعظم والنبي المكرّم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (إنَّ ربكم حيي ستير، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أنْ يردّهما صفرا) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، ويقول عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (إنّ الله تعالى طيّب لا يقبل إلا طيبا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون/51]، ثمّ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
رفع اليدين في الدعاء سنّة، وقد وردت في ذلك أحاديث للمصطفى صلوات ربي عليه وآله وصحبه وسلم ما وصل بمجموعها حدّ التواتر المعنوي كما صرّح بذلك علماء الحديث رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
أمّا صفة رفع اليدين، فيجعل بطونهما تلقاء وجهه، أو تجاه السماء، وقد وردت الصفة الأولى وكذلك الثانية عن سيّد الخلق وحبيب الحق صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم.
أمّا قلب اليدين في الدعاء، فهذه مسألة خلاف بين أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم، ومنشأُه تباين فهم العلماء لحديث سيّدنا أنس رضي الله تعالى عنه (أَنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، فقال جماعة من أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم: إنَّ الدعاء إذا كان لجلب نعمة، فالمشروع أنْ يكون ببطون الأكف، وإذا كان لدفع نقمة، فالمشروع أنْ يكون بظهورهما، جمعاً بين فعل النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم في الاستسقاء، وبين نهيه عن السؤال بظهور الأكف، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في شرح حديث سيّدنا أنس رضي الله تعالى عنه: فيه دلالة أنَّهُ إذا أريد بالدعاء رفع البلاء فإنه يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء، وقد ورد صريحاً في حديثٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَأَلَ جَعَلَ بَاطِنَ كَفَّيْهِ إِلَيْهِ وَإِذَا اسْتَعَاذَ جَعَلَ ظَاهِرَهُمَا إِلَيْهِ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وحديث سيدناعَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أَنَّ سيّدنا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم قَالَ (سَلُوا اللَّهَ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلاَ تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ) الإمام أَبُو دَاوُدَ رحمه الله تعالى، وإنْ كان ضعيفاً فالجمع بينهما أنَّ حديث سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما يختص بما إذا كان السؤال بحصول شيء لا لدفع بلاء، وقد فُسر قوله سبحانه تعالى {— وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء عليهم السلام/90]، (قيل: الرغب رفع بطون الاكف إلى السماء، والرهب رفع ظهورها) الإمام القرطبي رحمه الله تعالى.
وقد قال الإمام النووي رحمه الله تعالى (قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ السُّنَّة فِي كُلّ دُعَاء لِرَفْعِ بَلَاء كَالْقَحْطِ وَنَحْوه أَنْ يَرْفَع يَدَيْهِ وَيَجْعَل ظَهْر كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاء، وَإِذَا دَعَا لِسُؤَالِ شَيْء وَتَحْصِيله جَعَلَ بَطْن كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاء اِحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيث) يعني حديث سيّدنا أنس رضي الله تعالى عنه، وللفائدة أرجو كتابة لفظ (الدعاء) في حقل البحث من هذا الموقع المبارك للاطلاع على بعض المنافع فيما يتعلق بموضوع الدعاء، {رَبَّنا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران عليهم السلام/8].
والله سبحانه وتعالى أعلم.