2013/11/28

السؤال:

السلام عليكم والرحمة،

بدي أسألكم بعد الشكر لموقعكم البسيط المتواضع الغنيّ عن الآية الكريمة في سورة يس {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} آية 12، وما هي رتبة الإمام وفرقها عن الولاية والنبوة؟ وشكرا لكم.

 

الاسم: Mukhtar abd

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وحياك الله جلّ وعلا وأهلا بك، وأسأله سبحانه أنْ يعيننا جميعا ويمنّ علينا بخدمة الناس وتبصيرهم بأمور دينهم.

أولا: قوله تعالى في سورة يس {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12].

فإنّ الله تعالى ذكر في هذه الآية أمر البعث والنشور فقال سبحانه {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الموتى} أي إخراج الناس أحياءً من قبورهم بعد موتهم للحساب والجزاء {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ} قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: أي ونكتب ما قدَّموا في الدنيا من خير وشر، ومن صالح الأعمال وسيئها {وَآثَارَهُمْ} أي وآثار خطاهم بأرجلهم إلى المساجد، وفي الحديث عن سيّدنا جابر رضي الله تعالى عنه قال: (أراد بنو سَلمة أنْ يتحولوا إلى قرب المسجد والبقاع خالية فبلغ ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا بني سلمة دياركم تُكتب آثاركُم ، دياركم تُكتب آثاركم، فقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا) الإمام مسلم رحمه الله تعالى وقال الشيخ أبو حيان رحمه الله تعالى {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ} أي ونحصي، فعبَّر عن إحاطة علمه جلّ وعلا بأعمالهم بالكتابة التي تُضبط بها الأشياء {وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُّبِينٍ} أي وكلّ شيء من الأشياء أو أمرٍ من الأمور جمعناه وضبطناه في كتاب مسطور هو صحائف الأعمال كقوله تعالى {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71]، أي بكتاب أعمالهم، الشاهد عليهم بما عملوه من خيرْ أو شرٍ، وقال مجاهد وقتادة رحمهما الله تعالى: هو اللوح المحفوظ .

ثانيا: إنّ لفظ الإمام له معاني أخرى منها:

1-  كلّ من ائتَمَّ به قومٌ، فسيّدُنا رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم إِمامُ أُمَّتِه وعليهم جميعاً الائتمامِ بسُنَّته التي مَضى عليها.

2-  رئيس القوم إِمامُ، والجمع أَئِمَّة، وفي التنزيل العزيز {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} [التوبة: 12]، أَي قاتِلوا رؤساءَ الكُفْر وقادَتَهم ومنه قوله تعالى {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ} [القصص: 41]، فمن تَبِعَهم أو ائتمّ بهم فهو معهم في النار يوم القيامة.

3-  القيّم والمصلح، ومثاله: القرآنُ، فهو إِمامُ المُسلمين يقيمهم ويصلحهم، وسَيّدُنا محمّد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم إِمام قيّم مصلح.

4-  المتقدم للصلاة إمام، والمقتدي به هو المأموم.

5-  الحادي أمامُ الإِبل وإِنْ كان وراءها لأَنه الهادي لها.

6-  الطريقُ:- قال عزّ وجلّ {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} [الحجر: 79]، أَي لَبِطريق يُؤَمُّ أَي يُقْصَد فَيُتَمَيَّز، يعني قومَ سيّدنا لوط عليه السلام وأَصحابَ الأَيكةِ.

ثالثا: الولي في القرآن الكريم له عدة معانٍ منها:-

1- الأتقياء: قال تعالى {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس عليه السلام/62، 63].

2- النصرة: ومنه قوله تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال : 72]، أي من نصرتهم.

3-  السلطة وتولي الأمر: فمن أسماء الله تعالى الوالي لأنه المتولي لأمور العالم والخلائق، القَائِم بأمره علي تدبير ملكه، ولذلك سمّي ولي الأمر في السياسة بالوالي، لأنّ الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، وفي هذا المعنى جاء قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى/28]، وقوله سبحانه على لسان سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف/196].

4- والولي خلاف العدو، قال جلّ جلاله وعمّ نواله {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة/71].

5- مَنْ قام على أمر أحد في نفسه أو ماله: ومنه وليّ اليتيم الذي يلي أمره ويقوم بكفايته، ووليّ المرأة الذي يلي عقد النكاح عليها ولا يدعها تستبد بعقد النكاح دونه، قال سبحانه {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء/33].

رابعا: النبيّ في اللغة: مشتق من النبأ وهو الخبر ذو الفائدة العظيمة، قال تعالى: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} [النبأ: 1 – 2]، وسمّي النبيّ نبيًّا لأنه مُخبرٌ من الله تعالى.

وقيل: النبيّ مشتق من النباوة: وهي الشيء المرتفع، وسمّي النبي نبيًّا على هذا المعنى: لرفعة محله وشأنه على سائر الناس، قال تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم عليها السلام: 57].

والرسول في اللغة: مشتق من الإرسال وهو التوجيه، قال تعالى مخبرًا عن ملكة سبأ: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35].

وقد اختلف العلماء في تعريف كلّ من النبيّ والرسول على أقوال أرجحها:

أنّ النبيّ: هو مَنْ أوحى الله عزّ وجلّ إليه بما يفعله ويأمر به المؤمنين.

والرسول: هو مَنْ أوحى الله جلّ وعلا إليه وأرسله إلى من خالف أمر الله ليبلغ رسالة الله سبحانه.

والفرق بينهما: أنّ النبيّ هو من نبأه الله تعالى بأمره ونهيه ليخاطب المؤمنين ويأمرهم بذلك ولا يخاطب الكفار ولا يرسل إليهم.

وأمّا الرسول فهو من أرسل إلى الكفار والمؤمنين ليبلغهم رسالة الله جلّ جلاله وعمّ نواله ويدعوهم إلى عبادته.

وليس من شرط الرسول أنْ يأتي بشريعة جديدة فقد كان سيّدنا يوسف عليه السلام على ملة سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والتسليم، وسيّدنا داود وسيّدنا سليمان عليهما السلام كانا على شريعة التوراة وكلهم رسل، قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا} [غافر: 34]، وقال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 163 – 164].

وقد يطلق على النبيّ أنه رسول كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52]، فذكر الله عزّ وجلّ أنه يرسل النبيّ والرسول، وبيان ذلك أنّ الله تعالى إذا أمر النبيّ بدعوة المؤمنين إلى أمر فهو مرسل منه إليهم لكن هذا الإرسال مقيّد، أمّا الإرسال المطلق فهو بإرسال الرسل إلى عامة الخلق من الكفار والمؤمنين.

وبذلك نعرف أنّ كلّ لفظ له مدلوله، وأنّ النبيّ له مقام الرسالة والولاية والإمامة، بينما الولي والإمام لا يصلان إلى مقام الرسالة والنبوة، ولكن قد يكون الإمام وليا والولي إماما.

والله سبحانه وتعالى أعلم.