2013/11/28
السؤال:
السلام عليكم شيخي الفاضل..لقد وردني ما يلي: سأل أحد التلاميذ عالما جليلا فقال له: لم سمّي النبيّ الأمي؟ فقال العالم: ماذا يقول الناس؟ فقال الرجل: يقولون إنه سمي الأميّ لأنه لم يحسن أن يكتب! فقال له: كذبوا عليكم، كيف والله يقول في محكم كتابه {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} فكيف كان يعلمهم ما لا يحسن؟ والله لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ويكتب بثلاث وسبعين لسانا، وإنما سمّي الأميّ لأنه كان من أهل مكة، ومكة من أمهات القرى، وسمّي أميّ نسبة إلى أم القرى، فهل هذا صحيح؟ .. بارك الله تعالى فيك.
الاسم: أم أواب
الرد:
قال الكريم المنان جلّ وعلا {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تهتدون} [الأعراف/ 158].
وقال سبحانه {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وإنْ كانوا مِنْ قبلُ لفي ضلالٍ مُبينٍ} [الجمعة/2].
وقال مُنَّزل القران تبارك اسمه {وما كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت/48].
إنّ من أخصّ صفات نبينا صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم الأمية, وهي صفة نقص في بني البشر إلا في حق النبي المكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فهي معجزة ودليل من أَدِلَّة صدقه ونُبُوَّتِهِ فلا شك أنّ النبيّ الكريم محمداً صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم قد وُلد أمياً، وظلّ على ذلك إلى أنْ بُعث وهو أمي، قال سيّدنا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (كان نَبِيُّكُم أُمِّيًّا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب)، وقد وصفه القرآن بأنّه يتلو على الأميين آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب أي يلقنهم إياه، كما كانت الرسل تلقن الأمم الكتاب بالكتابة، ويعلمهم الحكمة التي علمتها الرسل السابقون أممهم، وفي هذه الأوصاف تحدٍ بمعجزة الأمية في هذا الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فهو مع كونه أمياً قد أتى أمته بجميع الفوائد التي أتى بها الرسل غير الأميين أممهم لا ينقص عنهم شيئاً، فأصبحت الأمية للكون معجزة حصل مِنْ صاحبها أفضل مما حصل مِن الرسل الكاتبين
قال الإمام الرازي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى (رسولاً منهم) (يعني محمداً صلى الله عليه وسلم نسبه من نسبهم، وهو من جنسهم، كما قال تعالى {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة /128]، قال أهل المعاني: وكان هو صلى الله عليه وسلم أيضاً أمياً مثل الأمة التي بعث فيهم، وكانت البشارة به في الكتب قد تقدمت بأنه النبي الأمي، وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة، فكانت حاله مشاكلة لحال الذين بعث فيهم، وذلك أقرب إلى صدقه).
أمّا القول كيف كان يعلمهم ما لا يحسن؟ فقد قال الحق جلّ وعلا {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى/ 52].
ولا صحة لما يروى أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم يقرأ ويكتب بثلاث وسبعين لسانا، وينظر جواب السؤال (1623).
ورضي الله تعالى عن الإمام البوصيري إذ يقول في قصيدة البردة الشريفة:
كمْ جدَّلَتْ كلماتُ اللهِ من جدلٍ فيهِ وكم خَصَمَ البُرْهانُ مِنْ خَصِمِ
كفاكَ بالعِلْمِ في الأُمِيِّ مُعْجِزَة فـــي الجاهلية ِ والتأديبِ في اليتمِ
ورحم الله جلّ وعلا الشاعر أحمد شوقي إذ يقول:
يأيـهــا الأمِّي ، حسبـكَ رتـبــةً في العلم أن دانت بك العلماءُ
الذكرُ آية ربــكَ الكـبـرى الـتي فيها لباغي المعجزات غنــاءُ
صدرُ البيانِ له إذا التقت اللُّغى وتــقــدّم البلغاءُ والفـصحـــاءُ
وصلى الله تعالى على النبي الامّي الذي أعجز الفصحاء وأذعنت له البلغاء سيدنا محمّد وعلى آله وصحبه العلماء الحكماء ما طار طير في جوِّ السماء.
والله عزّ وجلّ أعلم.