2013/12/06

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أرجو أن تكون شيخنا بخير وأتمنى لحضرتك دوام العافية.. حضرة الشيخ: معي موظف صابئي، أحيانا يشتري لي أثناء فترة الغداء طعاما أو ماء أو غيرهما وأنا كذلك، فهل أستطيع تناول هذا الطعام؟ وجزاكم الله خيرا.

 

الاسم: عبد الله

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك جزيل الشكر على تمنياتك الطيبة، وأسأل الله عزّ وجلّ لك ولجميع المسلمين الكرم اللائق بذاته الأقدس تبارك ربّنا وتعالى وتقدّس.

لا شكّ أنّ من حسن العشرة والصحبة ما يحصل بين الناس من التهادي والإحسان المتبادل، وقد يُشْكِل على البعض حكم ذلك، خاصة إنْ كان الطرف الآخر غير مسلم، فيتحرّج في إهداءه وقبول الهدية منه، ظناً منه أنه مخالف للدين، وقد ذكر أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنه يجوز قبول هدية الكافر واِهدائه سواء أكان كتابياً أو من أيّ ملة كانت تأليفاً وترغيباً له في الإسلام، فعَنْ السيّدة عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهَا وعن أبيها قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وهو عام في كلّ هدية سواءً أكانت من مسلم أم من غيره.

 كما قبل سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومن والاه هدايا بعض الكفار، كهدية المقوقس وملك أيلة وغيرهم، فعن سيّدنا أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: (أهدى ملك أيلة للنبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغلة بيضاء وكساه برداً وكتب إليه ببحرهم – يعني بلدهم) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

وقبل عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام هدايا من غير المسلمين أيضا، فعَنْ سيّدنا أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه قال: (إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

وعن سيّدنا علي رضي الله تعالى عنه (أنّ كسرى أهدى له – أي للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم – فقبل، وأنّ الملوك أهدوا إليه فقبل منهم) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

وأكيدر كان نصرانياً وكسرى مجوسياً.

أما طعام أهل الكتاب  فقد قال تعالى {— وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ —} [المائدة / 5]، وقد أكل النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم من شاة قدمتها له يهودية،  فعن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أنّ امرأة من اليهود أهدت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شاة مسمومة) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

فهذه الأحاديث الشريفة دلّت على جواز قبول هدية غير المسلم وأكل طعام أهل الكتاب.

كذلك يجوز لنا تقديم الهدية لغير المسلمين، فقد أهدى سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم وعنكم من كسوتهم وطعامهم إلى غير المسلمين، فقد أهدى سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حلّة لرجل مشرك، فعَنِ سيّدنا عبد الله بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا، قَالَ: (رَأَى عُمَرُ حُلَّةً عَلَى رَجُلٍ تُبَاعُ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ابْتَعْ هَذِهِ الحُلَّةَ تَلْبَسْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَإِذَا جَاءَكَ الوَفْدُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا، بِحُلَلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ مِنْهَا بِحُلَّةٍ، فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟ قَالَ: إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا ،تَبِيعُهَا، أَوْ تَكْسُوهَا، فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

وعن سيّدنا عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما (أنّه ذبحت له شاة فجعل يقول لغلامه: أهْدَيْتَ لجارنا اليهودي؟) الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الأدب المفرد.

أمّا فيما يخص الصابئة فقد اختلف فيهم أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فمنهم مَنْ ألحقهم بالمشركين، ومنهم مَنْ ألحقهم بأهل الكتاب، لذا تحلّ ذبائحهم وهداياهم وطعامهم، كذلك يجوز لنا إهدائهم سواءً أكانت الهدية طعاماً أم غيره، بناءً على ما ذكرت من الأدلة السابقة.

وأمّا على قَوْل مَن اعتبرهم مشركين، فهم ممّن لم يقاتلوننا في الدين، لذا فإنّه تقبل هداياهم وعامة طعامهم ممّا أحله الله تبارك تعالى، وإنّما الحرمة فقط فيما يذبحونه، قال تبارك تَعَالَى {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} [الممتحنة /8].

وعَنْ قَابُوسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ السيّدة عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها، قَالَتْ: (إِنَّ لَنَا أَطْيَارًا مِنَ الْمَجُوسِ، وَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمُ الْعِيدُ فَيُهْدُونَ لَنَا؟ فَقَالَتْ: أَمَّا مَا ذُبِحَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَا تَأْكُلُوا، وَلَكِنْ كُلُوا مِنْ أَشْجَارِهِمْ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى، وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (76، 178، 396، 1492، 1641، 1677) في هذا الموقع المبارك.

والله جلّ وعلا أعلم.