2013/12/08

السؤال:

السلام عليكم سيّدي ورحمة الله تعالى وبركاته / أسال الله تعالى أنْ لا يحرمني والمسلمين من بركة دعائكم وأنواركم وتوجهاتكم / سيّدي مَنْ هم الأولياء؟ وما هي صفاتهم؟ وهل هناك فرق بين الولي العابد والولي العالم؟ وهل يتوجب فيهم السند الروحي المتصل بسيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام أم لا؟ وأعتذر عن الإطالة، وجزاكم الله تعالى كلّ خير.

 

الاسم: عبد الله

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك جزيل الشكر على دعواتك الطيبة ومشاعرك الصادقة، وأسأله جلّ وعلا أنْ يوفقنا جميعا لخدمة هذا الدين والناس أجمعين برحمته إنه سبحانه أرحم الراحمين.

قال الله جلّ جلاله وعمّ نواله {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سيّدنا يونس عليه السلام/62-64].

وقال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.

قال الإمام الشَّوْكَانِيُّ رحمه الله تعالى في تَعرِيفهِ للولِي:

(الْوَلِيُّ فِي اللُّغَةِ: الْقَرِيبُ، وَالْمُرَادُ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ: خُلَّصُ الْمُؤْمِنِينَ، لأِنَّهُمْ قَرُبُوا مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِطَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ) فتح القدير

وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله سبحانه في الفتح (الْمُرَاد بِوَلِيِّ اللَّهِ الْعَالِم بِاَللَّهِ الْمُوَاظِب عَلَى طَاعَته الْمُخْلِص فِي عِبَادَته).

وورد عن سيّدنا الشيخ معروف الكرخي رضي الله جلّ وعلا عنه (وعلامة الأولياء ثلاثة همومهم لله وشغلهم فيه وفرارهم إليه) حلية الأولياء.

وقال الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى (الْوَلِيُّ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَلَاءِ وَهُوَ الْقُرْبُ كَمَا أَنَّ الْعَدُوَّ مِنْ الْعَدْوِ وَهُوَ الْبُعْدُ. فَوَلِيُّ اللَّهِ مَنْ وَالَاهُ بِالْمُوَافَقَةِ لَهُ فِي مَحْبُوبَاتِهِ وَمَرْضِيَّاتِهِ وَتَقَرَّبَ إلَيْهِ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ طَاعَاتِهِ) وقال رحمه الله عزّ وجلّ أيضا (فَإِذَا كَانَ وَلِيُّ اللَّهِ هُوَ الْمُوَافِقُ الْمُتَابِعُ لَهُ فِيمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَيُبْغِضُهُ وَيُسْخِطُهُ وَيَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ كَانَ الْمُعَادِي لِوَلِيِّهِ مُعَادِيًا لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} فَمَنْ عَادَى أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فَقَدْ عَادَاهُ وَمَنْ عَادَاهُ فَقَدْ حَارَبَهُ فَلِهَذَا قَالَ {وَمَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ}. وَأَفْضَلُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ هُمْ أَنْبِيَاؤُهُ—). مجموع الفتاوى.

 وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره (يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، كما فسرهم ربهم، فكل من كان تقيا كان لله وليا: أنه {لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [أي] فيما يستقبلون من أهوال القيامة، {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما وراءهم في الدنيا).

فكلّ من آمن بالله عزّ وجلّ ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم واتقى الله سبحانه، فهو من أولياء الله  جلّ وعلا، وهو العالم والعارف بالله جلّ جلاله والمواظب على طاعته واجتناب نواهيه حسب الإمكان، والمعرض عن حب الدنيا والشهوات والملذات، والمحافظ على السنن والآداب الشرعية قدر المستطاع.

وما سميّ وليّاً إلاّ لأنّه يتولى عبادة الله عزّ وجلّ على الدوام بالإيمان والتقوى، والله سبحانه وتعالى يتولاه برحمته ولطفه وعنايته.

عَنْ سيّدنا أَبِى الدَّرْدَاءِ رضي الله تعالى عنه قَالَ: (أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ مَا تَقُولُ فِى قَوْلِ اللَّهِ (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِى الآخِرَةِ) قَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ شَىْءٍ مَا سَمِعْتُ أَحَداً سَأَلَ عَنْهُ بَعْدَ رَجُلٍ سَأَلَ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: بُشْرَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ وَبُشْرَاهُمْ فِي الآخِرَةِ الْجَنَّةُ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

والحَاصِل أنَّ الوِلايَة مَرتبَة في الدِّين عَظِيمة لاَ يبلغها إلا مَن قام بالدين ظَاهراً وباطناً بِفِعْلِ المأمُورَات وتَرْك المنهيَّات، وهي درجات تتفاوت بحسب إيمان العبد وتقواه، فكلّ مؤمن له نصيب من ولاية الله جلّ وعلا ومحبته وقربه، ولكن هذا النصيب يتفاوت بحسب الأعمال الصالحة البدنية والروحية التي يتقرب بها إلى الله عزّ وجلّ القائل في كتابه العزيز {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر/32].

ذكر الإمام أبو نعيم رحمه الله تعالى في كتابه حلية الأولياء أنّ أبا سعيد الخزار رحمه الله سبحانه سئل عن أوائل الطريق إلى الله جلّ جلاله فقال: (التوبة، وذَكَر شرائطها، ثمّ يُنْقَلُ من مقام التوبة إلى مقام الخوف، ومن مقام الخوف إلى مقام الرجاء، ومن مقام الرجاء إلى مقام الصالحين، ومن مقام الصالحين إلى مقام المريدين، ومن مقام المريدين إلى مقام المطيعين، ومن مقام المطيعين إلى مقام المحبين، ومن مقام المحبين إلى مقام المشتاقين، ومن مقام المشتاقين إلى مقام الأولياء، ومن مقام الأولياء إلى مقام المقربين، وذكروا لكلّ مقام عشر شرائط إذا عاناها وأحكمها، وحلت القلوب هذه المحلة أدمنت النظر في النعمة وفكرت في الأيادي والإحسان فانفردت النفوس بالذكر وجالت الأرواح في ملكوت عزّه بخالص العلم به واردة على حياض المعرفة إليه صادرة، ولبابه قارعة، وإليه في محبته ناظرة، أمَا سمعت قول الحكيم وهو يقول …

أراعي سواد الليل أنسا بذكره … وشوقا إليه غير مستكره الصبر …

ولكن سرورا دائما وتعرضا … وقرعا لباب الرب ذي العز والفخر …

فحالهم أنّهم قربوا فلم يتباعدوا، ورفعت لهم منازل فلم يخفضوا، ونورت قلوبهم لكي ينظروا إلى ملك عدن بها ينزلون فتاهوا بمَنْ يعبدون، وتعززوا بمَنْ به يكتفون، حلّوا فلم يظعنوا، واستوطنوا محلّته فلم يرحلوا، فهم الأولياء، وهم العاملون، وهم الأصفياء، وهم المقربون، أين يذهبون عن مقام قرب هم به آمنون، وعزوا في غرف هم بها ساكنون، جزاء بما كانوا يعملون).

يقول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ. قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلاَ أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لاَ يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلاَ يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) الإمام أبو داود رحمه الله سبحانه.

وعَن سيّدنا ابنِ عباس رَضِي الله تعالى عنهما قال (قال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن أولياء الله؟ قال: الذين إذا رؤوا ذكر الله) الإمام البزار رحمه الله تعالى.

وعن عبد الله بن السندي رحمه الله عزّ وجلّ يحدث أصحابه (قال: لو أنّ وليا من أولياء الله قال للجبل زل لزال قال فتحرك الجبل من تحته فضربه برجله فقال اسكن إنما ضربتك مثلا لأصحابي) حلية الأولياء.

وعن مكي بن إبراهيم رحمه الله تعالى يقول (كان إبراهيم بن أدهم بمكة فسئل ما يبلغ من كرامة المؤمن على الله عز و جل قال يبلغ من كرامته على الله تعالى لو قال للجبل تحرك لتحرك فتحرك الجبل فقال ما إياك عنيت) حلية الأولياء.

ولا يُتشرط للوليّ أن يكون عالما مجازا، وقد يكون امرأة، لذا لا يتوجب فيه السّند الروحي أو العلمي المتّصل بخاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه المكرمين.

ولكنّ الوليّ العالم أفضل، فعن سيّدنا أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال (ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في حجرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

ويقول الصادق المصدوق صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.

وأعلى مراتب الولاية (الولي المرشد) قال تعالى {—مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف/17].

والوليّ المرشد هو :- الشيخ الكامل الموصول السند بسيّدنا محمّد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم من الناحية الروحية والعلمية، وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1654) في هذا الموقع المبارك .

 

والله عزّ وجل أعلم.