2013/12/09
السؤال:
السلام عليكم شيخنا العزيز شيخنا في الدعاء نقول مثل: اللهمّ بجاه سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام أن ترزقني، فهل إذا قلنا بجاه سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام جائز؟ لأنّ في كثير عالم تقول لا يجوز الدعاء بقول بجاه، نرجو الجواب، والله يوفقك ويحميك يا شيخنا العزيز.
الاسم الكامل: عمر ثابت
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
قبل الإجابة على هذا السؤال لابدّ لي من الإشارة إلى أن موضوع الجاه والتوسل بذوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو بالصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم أو بالأعمال الصالحة، لا تُبحث في مباحث العقيدة وإنما في أبواب أُخرى مثل باب الاستسقاء وباب الزكاة أو غيرها بحسب دلالة الحديث كما بوّب لذلك أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم ومنهم الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى وغيرهما، فهي من فروع الدين لا من أُصوله، ولم أجد أحداً من أهل العلم بحث هذه المسألة في أبواب العقيدة.
الجاهُ: هو المَنْزِلَةٌ والقَدْرٌ والشرف فهي مقلوبة عَن وَجْه. لسان العرب 13 / 487.
وقد وردت آيات كثيرة تبيّن جاه وشرف النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم منها:
1- قوله جلّ وعلا {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات /2].
فجعل سبحانه رفع الصوت في حضرته صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم محبطا للعمل كالشرك، قال عزّ وجلّ {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ —} [الزمر /65].
2- قول الله جلّ جلاله وعمّ نواله {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء / 64].
(يُرْشِدُ تَعَالَى الْعُصَاةَ وَالْمُذْنِبِينَ إِذَا وَقَعَ مِنْهُمُ الْخَطَأُ وَالْعِصْيَانُ أَنْ يَأْتُوا إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ عِنْدَهُ، وَيَسْأَلُوهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، فَإِنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَحِمَهُمْ وَغَفَرَ لَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: {لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا}) الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (106) في هذا الموقع المبارك.
والتوسّل به عليه وآله وصحبه الصلاة والسلام جائز سواء كان في هذه الدنيا أو في الآخرة لأنّ الأنبياء أحياء في قبورهم يُصلّون كما ورد ذلك في الأحاديث الشريفة وأنّ الله تعالى حرّم على الأرض أجسادهم الكريمة.
والجاه ليس له علاقة بالجسد فوجاهة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وغيرهم من الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم باقية في حياتهم وبعد مماتهم، لأنّ لها تعلقاً بأرواحهم لا بأجسادهم أو آثارهم الشريفة والروح باقية لا تموت، وإنما يكون الجسد أو الأثر شريفاً تبعاُ للروح.
وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله سبحانه في تفسيره بخصوص هذه الآية: (فيما رواه العُتْبي رحمه الله تعالى، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ اللَّهَ يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} وَقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا لِذَنْبِي مُسْتَشْفِعًا بِكَ إِلَى رَبِّي ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
يَا خيرَ مَنْ دُفنَت بِالْقَاعِ أعظُمُه … فَطَابَ منْ طِيبِهِنَّ القاعُ والأكَمُ …
نَفْسي الفداءُ لقبرٍ أَنْتَ ساكنُه … فِيهِ العفافُ وَفِيهِ الجودُ والكرمُ …
ثُمَّ انْصَرَفَ الْأَعْرَابِيُّ فَغَلَبَتْنِي عَيْنِي، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ فَقَالَ: يَا عُتْبى، الحقْ الْأَعْرَابِيَّ فَبَشِّرْهُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ له).
ولمَنْ تشرّف بزيارة الحبيب المصطفى صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم سيجد هذين البيتين منقوشين على جدار الحجرة الشريفة.
وقد وردت لفظة الوجاهة في كتاب الله تبارك وتعالى في موضعين:
قال جلّ في علاه {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران عليه الصلاة والسلام/ 45].
وقال تبارك اسمه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب / 69].
فهاتان الآيتان لا تثبتان الوجاهة في الحياة الدنيا دون الممات، بل إنّ أحد النصين – وهو الأوّل – صريح في وجاهة الدنيا والآخرة.
فلمّا ثبتت الوجاهة لهذين النبيين عليهما الصلاة والسلام وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، فالوجاهة له عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام من باب أولى إذ هو خاتمهم وإمامهم وكلّ الخلائق تتوجّه إليه عليه الصلاة والسلام يوم المحشر، فهو القائل صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (إنّ الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الاذن فبينما هم كذلك استغاثوا بأدم ثم بموسى ثم بمحمد فيشفع ليقضى بين الخلق) الإمام البخاري في رحمه الله سبحانه.
وعن سيّدنا عثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنه: (أنّ رجلا ً كان يختلف – أي يتردد – إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فكان عثمان رضي الله تعالى عنه لا يلتفت إليه, ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك, فقال له عثمان بن حنيف: إيت الميضأة فتوضأ ثمّ ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثمّ قل (اللهمّ إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، نبيّ الرحمة، يــا محمــد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي) وتذكر حاجتك, ثمّ رح حتى أروح معك، فــانطلق الرجل فصنع ما قال له ثمّ أتى باب عثمان, فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال له :ما حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له, ثمّ قال: مــا ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة, وقال: ما كانت لك من حاجة فائتنا .ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرًا, ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيَ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجلٌ ضريرٌ فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أوَ تصبر؟ فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شقّ عليّ ذهاب بصري، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم إيت الميضأة فتوضأ ثمّ صلّ ركعتين ثمّ ادع بهذه الدعوات قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرّ قط) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ وجلّ.
وكانت اليهود تتوسّل باسم الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم قبل بعثته لأنّ نعته مذكور عندهم في التوراة، قال سبحانه {— وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا —} [البقرة /89]، أي أنّ اليهود يستنصرون على المشركين ويقولون: اللهمّ انصرنا بنبيّ آخر الزمان المنعوت في التوراة، فيضعون يدهم على موضع ذكر النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فينتصرون .
وفي هذه الأحاديث دليل على جواز التوسّل بالنبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام وبغيره من الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم في حياتهم أو بعد موتهم.
والنصوص في هذا المقام كثيرة، وقد كتب أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم مؤلفات كثيرة في التوسّل بذوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبالصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم ممّا لا يتسع المقام هنا لذكرها، وأنقل هنا نصاً للعالم المفضال ابن تيمية رحمه الله جلّ وعلا في هذا الشأن إذ يقول: (وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين، مثل نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمن جاورها ، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الإندفان عند بعضهم، وحصول الأنس والسكينة عندها ونزول العذاب بمن استهان بها، فجنس هذا حق وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه اكثر الخلق) اقتضاء الصراط المستقيم ص 374.
مع اعتقادنا أنّ النافع والضار على الحقيقة هو الله تبارك وتعالى وإنما التوسّل هو سبب من أسباب حصول النفع والزيادة من الخير ولا مانع من ذلك، وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (43، 155، 510، 527، 1597) في هذا الموقع المبارك.
والله عزّ وجلّ أعلم.