2013/12/11
السؤال:
السلام عليكم سيّدي ورحمة الله تعالى وبركاته / أسأل الله تعالى أنْ يكرمني بصحبتكم في الدنيا والآخرة/ سيّدي كما هو معلوم أنّ هناك مناقصة سنوية على محلات تجارية وأثناء بدء المناقصة يدخل رجال – سامحهم الله – ليس لتأجير المحل بل لمساومة المستأجر فيضطر المستأجر أنْ يعطيه مبلغا من المال لينسحب ولا يزود عليه؟ سؤالي هو:- ما حكم هذا المبلغ الذي يعطى للرجل الدخيل على المناقصة؟ وبماذا تنصحون؟ وجزاكم الله تعالى كلّ خير.
الاسم: عبد الله
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أنْ يُكرمني وإياكم وجميع الأحباب بصحبة وجوار النبيّ الأعظم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم في الدنيا والآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وبعد: فهناك فرق بين المُناقصة والمزايدة.
فالمُناقصة: عرض يُقدمه طرف ما كالدولة مثلا، وذاك لتنفيذ مشروع ما، فيتقدم المتنافسون بعروضهم الموافقة للشروط المطلوبة، وهنا تختار اللجنة المُكلفة بدراسة العروض أقلّها، ولهذا سمّيت مناقصة.
أما المزايدة: فبعكس ذلك، فحين تريد الدولة بيع عقار ما مثلا فإنّها تُعلن ذلك للمزايدة العلنية فيتنافس المشترون برفع سعر الشراء حتى يستقر على أعلاهم سعرا، وقد ثبت بيع المزايدة في الشريعة الغراء، فعن سيّدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ قَالَ بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ قَالَ ائْتِنِي بِهِمَا قَالَ فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ قَالَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ) الإمام أبو داود رحمه الله سبحانه.
أمّا إذا دخل شخص في المزايدة لا على نيّة الشراء بل على نيّة زيادة السعر فقط إضرارا بالمشترين، سواء أكان ذلك بالاتفاق مع البائع أو بدونه، أو كان ذلك مِن أجل ابتزاز المتقدمين للشراء وأخذ أموالهم فذاك كله حرامٌ منهيٌّ عنه في شريعة الإسلام الغراء، ويُسمى هذا الفعل بـ (النجش)، فعن الإمام مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهم (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ النَّجْشِ) الإمام مالك رحمه الله عزّ وجلّ.
قال الإمام مالك رحمه الله تعالى (وَالنَّجْشُ أَنْ تُعْطِيَهُ بِسِلْعَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا وَلَيْسَ فِي نَفْسِكَ اشْتِرَاؤُهَا فَيَقْتَدِي بِكَ غَيْرُكَ) موطأ الإمام مالك رحمه الله جلّ وعلا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى رضي الله سبحانه عنه (النَّاجِشُ آكِلُ رِبًا خَائِنٌ وَهُوَ خِدَاعٌ بَاطِلٌ لَا يَحِلُّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وعليه فإنّ هذا الفعل باطل وحرام لِمَا فيه من الضرر والخديعة، ومَا يكسبه هذا الشخص فهو سحت وحرام.
أمّا بالنسبة لجنابكم الكريم فيجب عليكم أوّلا التأكّد من هذا الأمر فلعلك تظنّ ظنا، وقد تُسارع في الدفع له، وليس في نيّته ذلك فيكتفي بما يأخذه منك وينسحب، أمّا إنْ كان أولئك قد عُرفوا بهذا الشأن فلك أنْ تدفع الضرر عن نفسك اضطرارا، هذا إذا كان الأمر بالنسبة إليك من باب الضرورة أو الحاجة المُلحة، والضرورات تُقدر بقدرها، وإلا فترك ذلك أولى، وأسأل الله تعالى للمسلمين جميعا العافية.
والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم .