2013/12/13

مشاركة من فضيلة الشيخ عبد الرزاق علي جزاه الله عزّ وجلّ خيراً.

 

:: سكرات الموت عند الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم ::

 

احتضر بعض الصَّالِحين فَبَكَتْ امْرَأَته فَقَالَ: مَا يبكيك؟ قَالَت: عَلَيْك أبْكِي، قَالَ: إِن كنت باكية فابْكِ على نَفسك فَأَما أَنا فقد بَكَيْت على هَذَا الْيَوْم مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة.

وحكي أَنّ قوما من أَصْحَاب الإمام الشبلي رحمه الله تعالى قَالُوا لَهُ عِنْد مَوته: قل لَا إِلَه إِلَّا الله، فَأَنْشد:

 

إِنّ بَيْتا أَنْت ساكنه … غير مُحْتَاج إِلَى السرج

وعليلا أَنْت زَائِره … قـد أَتَــاهُ الله بالـفـــــرج

وَجهك المأمول حجتنا … يَوْم تَأتي النَّاس بالحجج

لَا أتاح الله لي فرجا … يَوْم أَدْعُو مِنْك بالفرج

 

يُرِيد الإمام الشبلي رحمه الله تعالى أَنّ الْقلب إِذا امْتَلَأَ واشتغل بعظمة الله وجلاله لم يحْتَج إِلَى مُنَبّه ينبهه وَلَا إِلَى مُذَكّر يذكّرهُ.

وَلمّا حضرت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي رحمه الله تعالى الْوَفَاة وَكَانَ رَأسه فِي حجر ابْنَته فَاطِمَة فَفتح عَيْنَيْهِ ثمَّ قَالَ: هَذِه أَبْوَاب السَّمَاء قد فتحت، وَهَذِه الْجنان قد زخرفت، وَهَذَا قَائِل يَقُول: يَا أَبَا عَليّ قد بلغناك الرُّتْبَة القصوى وَإِنْ لم تردها ثمَّ قَالَ:

 

وحقك لا نظرت إِلَى سواك … بِعَين مَوَدَّة حَتَّى أَرَاك

أَرَاك معذبي بفتور لحظ … وبالخد المورد من حياك

أَرَاك منعمي بجميل ظن … وبالأمن المكرم من رضاك

فَلَو قطعتني فِي الْحبّ إربا … لما نظر الْفُؤَاد إِلَى سواك

 

ويروى عَن الإمام عبد الله بن الْمُبَارك رحمه الله تعالى أَنه لمّا احْتضرَ نظر إِلَى السَّمَاء فَضَحِك ثمَّ قَالَ: لمثل هَذَا فليعمل الْعَامِلُونَ.

وَدخل الإمام الْمُزنِيّ على الإمام الشَّافِعِي رحمهمَا الله تعالى فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ: كَيفَ أَصبَحت يَا أَبَا عبد الله؟ فَقَالَ: أَصبَحت من الدُّنْيَا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولسيء عَمَلي ملاقيا، ولكأس الْمنية شاربا، وعَلى رَبِّي تبَارك وَتَعَالَى واردا، وَلَا أَدْرِي روحي للجنة فأهنيها أَو للنار فأعزيها، ثمَّ أنْشد:

 

وَلمّا قسا قلبِي وَضَاقَتْ مذاهبي … جعلت الرجا مني لعفوك سلما

تعاظمني ذَنبي فَلَمَّا قرنته … بعفوك رَبِّي كَانَ عفوك أعظما

فَمَا زلت ذَا عَفْو عَن الذَّنب لم تزل … تجود وَتَعْفُو مِنّة وتكرّما

فلولاك لم يغو بإبليس عابدٌ … وَكَيف وَقد أغوى صفيّك آدما

 

من كتاب // العاقبة في ذكر الموت ص130.

 

 

الرد:

قال الحقّ سبحانه وتعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران عليهم السلام/185].

وقال عزّ من قائل: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام: 60 – 62].

وقال جلّ وعلا: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [العنكبوت: 57 – 59].

وعن سيّدنا أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: (اشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار إلى شهر فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر؟ إنّ أسامة لطويل الأمل، والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أنّ شفري – أي جفنيّ – لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي، ولا رفعت قدحا إلى فيّ – أي فمي – فظننت أني واضعه حتى أقبض، ولا لقمتُ لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى أغصّ بها من الموت، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين) الأئمة ابن أبي الدنيا وأبو نعيم والبيهقي والأصبهاني رحمهم الله تعالى.

وهذه الأحوال المباركة التي ذكرتها مشاركتك الجليلة هذه عن أولئك الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله تعالى عليه تجسيد لهذه النصوص الشريفة  فجزاك الله جلّ جلاله وعمّ نواله خيرا على مشاركاتك الثرية النافعة ذات المعاني الرائعة أتمنى أنْ تكون سببا لمشاركة بقيّة الأحباب لإثراء هذا الباب والله عزّ وجلّ يهدي للخير والصواب إنه هو الكريم الوهاب.