2013/12/16
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
سيّدي حضرة الشيخ سعد الله المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسأل الله تعالى أن يشملكم بحفظه ورعايته ويكتب لكم الإقامة بجوار سيّدنا وحبيبنا (محمّد) صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلّم مع طول العمر والصحة والعافية ويجزيكم والقائمين على هذا الموقع المبارك خير الجزاء للجهود الواضحة والمبذولة لخدمة ديننا الحنيف، وأن ينفعنا والمسلمين من بركات علومكم وأنواركم الشريفة إنه تعالى وليّ ذلك والقادر عليه، وبعد:
في سيرة صحابة رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم والتابعين لهم بإحسان رضي الله تعالى عنهم أجمعين نقرأ كثيرا عن مبلغ الاحترام المتبادل بينهم في مواطن الاختلاف بالرأي، ولا غرابة في ذلك فهم خريجو المدرسة المحمّدية صلوات ربّي وسلامه على الذات الأحمدية، وقد تعلّمنا من مشايخنا الكرام ومنكم سيّدي رضي الله تعالى عنهم وعنكم أن نحترم علماء ديننا الحنيف كونهم ورثة الأنبياء ونسأل الله تعالى متضرعين إليه أن لا يحصل في قلوبنا وأبنائنا خلل إزاء هذا الاحترام..
سؤالي:- ما قولكم يا سيّدي ووسائل الإعلام تتناقل هذه الأيّام ما وصل إليه بعض العلماء الأجلّاء من جرأة معلنة واتهامات بعضهم ضد البعض الآخر ناسين أو متناسين عواقب ذلك كون الأمّة تنظر إليهم بعين الوقار والاقتداء..؟
الاسم: عبدالعزيز/ أبو عمر
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله عزّ وجلّ خيرا على دعائك ومشاعرك الطيبة ولك بمثله.
لقد بيّنت الشريعة الغرّاء المنهج الحقّ الذي ينبغي على الدعاة أنْ يتّبعوه في الدعوة إلى الله سبحانه، وذلك من خلال نصوص الكتاب العزيز والسنّة المشرّفة، منها:
قوله جلّ في علاه {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران عليهم السلام: 104، 105].
وقوله سبحانه {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].
وقوله جلّ جلاله {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف عليه السلام: 108].
ومن السنّة المطهرة قول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ وجلّ.
عَنْ سيّدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ (أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِينُهُ فِي شَيْءٍ، فَأَعْطَاهُ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا، وَلَا أَجْمَلْتَ، قَالَ: فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَامُوا إِلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ كُفُّوا، قَالَ: ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى الْأَعْرَابِيِّ، فَدَعَاهُ إِلَى الْبَيْتِ، فَقَالَ: إِنَّكَ جِئْتَنَا فَسَأَلْتَنَا، فَأَعْطَيْنَاكَ، فَقُلْتَ: مَا قُلْتَهُ، فَزَادَهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ، فَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ أَهْلٍ وَعَشِيرَةٍ خَيْرًا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكَ كُنْتَ جِئْتَنَا فَسَأَلْتَنَا، فَأَعْطَيْنَاكَ، وَقُلْتَ مَا قُلْتَ، وَفَى أَنْفُسِ أَصْحَابِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَقُلْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا قُلْتَ بَيْنَ يَدَيَّ، حَتَّى تُذْهِبَ مِنْ صُدُورِهِمْ مَا فِيهَا عَلَيْكَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَوْ الْعَشِيُّ، جَاءَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا كَانَ جَاءَ فَسَأَلَنَا، فَأَعْطَيْنَاهُ، وَقَالَ مَا قَالَ، وَإِنَّا دَعَوْنَاهُ إِلَى الْبَيْتِ فَأَعْطَيْنَاهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ، أَكَذَلِكَ؟ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ، فَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ أَهْلٍ وَعَشِيرَةٍ خَيْرًا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ فَشَرَدَتْ عَلَيْهِ، فَاتَّبَعَهَا النَّاسُ، فَلَمْ يَزِيدُوهَا إِلَّا نُفُورًا، فَنَادَاهُمْ صَاحِبُ النَّاقَةِ: خَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ نَاقَتِي، فَأَنَا أَرْفَقُ بِهَا وَأَعْلَمُ، فَتَوَجَّهَ لَهَا صَاحِبُ النَّاقَةِ بَيْنَ يَدَيْهَا وَأَخَذَ لَهَا مِنْ قُمَامِ الْأَرْضِ، فَرَدَّهَا هَوْنًا هَوْنًا هَوْنًا حَتَّى جَاءَتْ وَاسْتَنَاخَتْ وَشَدَّ عَلَيْهَا، وَإِنِّي لَوْ تَرَكْتُكُمْ حَيْثُ قَالَ الرَّجُلُ مَا قَالَ، فَقَتَلْتُمُوهُ، دَخَلَ النَّارَ) الإمام البزار رحمه الله العزيز الغفار مختصرا.
وعن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال (قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ، فَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلَ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ) الإمام أحمد رحمه الله عزّ وجلّ.
فكيف يسوغ للعالم الداعية أنْ يخالف كلّ هذه النصوص الشريفة وغيرها كثير، ويسمح لنفسه الهبوط إلى مستوى إلقاء التهم واستخدام الألفاظ البذيئة الفاحشة التي لا تليق بعامة الناس فكيف به؟ ناسيا أو متناسيا قول نبيّنا الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِطَعَّانٍ، وَلَا بِلَعَّانٍ، وَلَا الْفَاحِشِ الْبَذِيءِ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
أين هؤلاء من أخلاق علماء السلف الأتقياء رضي الله تعالى عنهم وعنكم؟ الذين ضربوا لنا أروع الأمثلة في الأدب حتى مع مَنْ خالفهم, ويطيب لي أنْ أتشرّف ببعضها:
1- عن سيّدنا أنس رضي الله تعالى عنه إذ قال: (إنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كنا نسافر، فمنّا الصائم ومنّا المفطر، ومنّا المتمّ ومنا المقصر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، ولا المقصر على المتم، ولا المتمّ على المقصر) الإمام البيهقي رحمه الله تعالى.
2- قال الإمام الذهبي عن التابعي قتادة بن دعامة السدوسي رحمهما الله تعالى: (وَكَانَ يَرَى القَدَرَ – أي ينفي القدر – نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ. وَمعَ هَذَا، فَمَا تَوقَّفَ أَحَدٌ فِي صِدقِه، وَعَدَالَتِه، وَحِفظِه، وَلَعَلَّ اللهَ يَعْذُرُ أَمْثَالَه مِمَّنْ تَلبَّسَ بِبدعَةٍ يُرِيْدُ بِهَا تَعْظِيْمَ البَارِي وَتَنزِيهَه، وَبَذَلَ وِسْعَهُ، وَاللهُ حَكَمٌ عَدلٌ لَطِيْفٌ بِعِبَادِه، وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ. ثُمَّ إِنَّ الكَبِيْرَ مِنْ أَئِمَّةِ العِلْمِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُه، وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلْحقِّ، وَاتَّسَعَ عِلْمُه، وَظَهَرَ ذَكَاؤُهُ، وَعُرِفَ صَلاَحُه وَوَرَعُه وَاتِّبَاعُه، يُغْفَرُ لَهُ زَلَلـه، وَلاَ نُضِلِّلْهُ وَنَطرْحُهُ وَنَنسَى مَحَاسِنَه. نَعَم، وَلاَ نَقتَدِي بِهِ فِي بِدعَتِه وَخَطَئِه، وَنَرجُو لَهُ التَّوبَةَ مِنْ ذَلِكَ) سير أعلام النبلاء (5/ 271).
3- ذكر الشيخ ابن تيمية رحمه الله عزّ شأنه: (كانوا يتناظرون في المسائل العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة) [الفتاوى: 4/172–173].
4- ورد عن يونس الصدفي رحمه الله تبارك اسمه: (ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة ثمّ افترقنا ولقيته فأخذ بيدي ثمّ قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أنْ نكون إخواناً وإنْ لم نتّفِق في مسألة؟) قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى تعقيبا على هذه الحادثة: (هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون) [سير أعلام النبلاء 10/16-17].
واليوم نرى مَنْ يظهر بلباس أهل العلم على شاشات التلفزة وأجهزة الإعلام ويتحدث بما لا يليق، ويصبّ الاتهامات على هذا الطرف أو ذاك، فمَنْ هو هذا المتحدّث؟ ومَنْ شيوخه؟ أليس مِنْ حقّ المستمعين أنْ يعرفوا ذلك؟ بلى فقد قال الحقّ جلّ وعلا في كتابه العزيز {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [المؤمنون: 69]، فدلّت الآية الكريمة على أنّ المدعوِّين لابدّ لهم أنْ يعرفوا مَن الذي يدعوهم لئلا يجد الشكّ سبيلا إلى قلوبهم، وليكونوا أقرب إلى الاستجابة، عَنْ الإمام مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ رحمه الرحمن الرحيم قَالَ: (كَانَ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُ عَمَّنْ تَأْخُذُ دِينَكَ) أمالي ابن سمعون الواعظ (ص: 128).
فالذي يُلقي الاتهامات ولا يُعرَف مَنْ هو، يحقّ للمستمع أنْ لا يُحسن الظنّ به، بل سرعان ما يخطر بباله العمالة والتآمر على البلد وشعبه وربما على الأمّة الإسلامية كلها.
كما إنّ مثل هذه التصرفات تدلّ على الزيغ بعد الهداية وهو مرض خطير ذكره الله عزّ شأنه فيما وجّهنا إليه من الأدعية إذ قال {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران عليهم السلام: 8]، وضرب لنا مثلا في ذلك فقال {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175، 176].
وممّا لا شكّ فيه أبدا أننا نعيش زمنا الفتن فيه على أشدّها وقد حذّرنا منها سيّد البشر صلى الله تعالى وسلم عليه ما طلعت شمس وأضاء قمر وعلى آله وصحبه ومَن اقتفى الأثر ووجّهنا إلى الابتعاد عنها، فعن سيّدنا أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ: أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا، أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ، قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ؟ قَالَ: يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لِيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ، أَوْ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ، فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ، أَوْ يَجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي؟ قَالَ: يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ.
وفي عصر الفتن ووجود الصراع الحضاري بين الحضارة الغربية الكافرة والحضارة الإسلامية المنحسرة، هناك الكثير من الفضائيات موجهة ضدّ أهل الخير والصدق وذلك من خلال إبراز مَنْ يتزيّ بزيّ الدين وهو أبعد ما يكون عنه ليشوّه الصور ويوقد الشرر.
ولا ينبغي هنا أنْ نهمل جانب النصيحة لكلّ شيخ أو عالم بضرورة الانتباه لحاله حتى لا يكون من خطباء الفتنة الذين رآهم النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم ليلة المعراج إذ قال (أَتَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا فِيهَا رِجَالٌ تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.
ولا يجوز أنْ يغيب عن بالنا أنّ لكلّ عبادة شروطا وآدابا ينبغي الالتزام بها، فمثلا إذا أردنا صلاة الجمعة فيجب علينا الاقتداء بسيّد الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه الأتقياء، بوجوب وقوف الخطيب على المنبر مستدبرا القبلة، مستقبلا المصلين على هيئة فيها أمارات الخشوع وعلامات الحضور بين يدي الخالق سبحانه القائل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9]، وهو في حال يوحي بصدقه وتصديقه فيما يقول، مستمطرا رحمة الباري عزّ وجلّ بالتأسِّي بالرسول صلى الله سبحانه عليه وآله وصحبه وسلم، بعيدا كلّ البُعد عن مثارات الفتن، قريبا كلّ القرب من إحياء دوافع الهمم للارتقاء بحاله وحال مستمعيه لمصافّ الذاكرين الله تعالى كثيرا والذاكرات، فهذه هي الصلاة التي تحقق الأهداف والغايات وتنزل الرحمات والبركات، وقد كان من هديه عليه أفضل الصلوات وأتمّ التسليمات الإكثار من تلاوة السور والآيات حتى أنّ مسلمة حفظت سورة (ق) من فم سيّد الأسلاف والأخلاف عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه ذوي المواهب والألطاف كما جاء في الروايات، فعَنْ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: (لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَتَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدٌ، وَمَا أَخَذْتُ قَافْ يَعْنِي سُورَةَ ق إِلَّا مِنْ فِيّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ) الإمام أبو داود الطيالسي رحمه الله تعالى، فبهذه الهدايات تتوضّح المعاني والغايات ويهتدي الناس إلى سبل رضوان رب الأرض والسموات جلّ جلاله وعمّ نواله.
أرجو وأتمنى أنْ لا تكون أعمال المسلمين عبارة عن ردود أفعال، قام طرف بعمل ما فيُقابل بمثله من الطرف الآخر، ونحمد الله جلّ جلاله وعمّ نواله لِمَا ثبّتنا على دينه، ورضي عن مشايخنا الذين كانوا سببا في حمايتنا من الخوض في هذه الفتن، فجزاهم الله سبحانه خير الجزاء.