2013/12/30
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كيف حالكم سيّدي أسأل الله تعالى لكم دوام الصحة والعافية وراجيا منكم الدعاء، سيّدي سؤالي هو:- ما هو الفرق بين الرجل الصالح والمرشد؟
الاسم: يوسف
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله تعالى خيراً على سؤالك عن الفقير أنا والحمد لله عزّ وجلّ بخير بفضل الله سبحانه وببركة دعواتكم المخلصة، وأدعو الباريء جلّ وعلا أنْ يمتعكم وجميع المسلمين بالصحة والأمان وزيادة في الإيمان.
لا ينال درجة الإرشاد إلّا من رأى فيه شيخه أنه قد اقترب من صورة الكمال في العلم والتقوى والصلاح وبلغ مرتبة عليا في الذكر بحيث يكون ذاكراً لله تبارك وتعالى في كل أحواله أو أكثرها.
ولا شك أن هذه الصفات لا تنطبق إلّا على الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم تصديقا لقول الله جلّ جلاله وعمّ نواله {— مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً} [الكهف/17]، فربنا عزّ وجلّ أثبت الولاية لمن يتصدى لإرشاد الناس إلى طريق الحق والخير وينير لهم معالمه، وقد قال سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِى جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، ومن أعظم خيراً ممن يأخذ بيد أخيه المسلم فيذيقه حلاوة الإيمان ويتعاهد قلبه بالتربية والتوجيه ليكون ذاكراً لربه عزّ وجلّ شاكراً لأنعمه سبحانه فيثمر هذا الإيمان والذكر والخشوع تقوىً وصلاحاً يعيناه على قطع مفاوز الحياة الدنيا وقفارها المليئة بالبلوى والفتن ليصل إلى برّ الأمان، قال ربنا عزّ وجلّ {— وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} [البقرة/197].
ولكننا لا نستطيع حصر الصلاح في السادة المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم ولا حتى في نطاق السالكين، بل هناك من يتمتع بالصلاح في دينه ومسلكه مع اعتقادنا بتقصيره في عدم اتخاذ مرشد أو ربما منعته ظروفه من ذلك.
مع أن الصلاح لا يمكن ضبطه في مرتبة معينة فسنة الله جلّ جلاله وعمّ نواله جرت بتفاوت الناس في مراتبهم ودرجاتهم بما فيهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما في قوله عزّ وجلّ {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ …} [البقرة/253]، وقوله سبحانه {هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [آل عمران عليهم السلام/163].
وعلى هذا نستطيع القول أن كلّ مرشد صالح وليس كلّ صالح مرشدا.
والحكم بصلاح المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم لا يعدّ تألٍّ على ربّ العزة جلّ وعلا لأنّ المرشد لا يمكن أنْ يصل إلى ما وصل إليه إلّا بعد أنْ شهد له مشايخه بشكل خاص موثّق بالإجازة الروحية التي يعلن عنها في مجمع طيّب مبارك يحضره كثير من أهل الذكر والفقه والفضل وعامة المسلمين.
ثمّ تجسّدت تلك الشهادة المباركة الموصولة، بإقرار الناس له بشكل عام بصفات الصلاح والتقوى والعلم والخلق الحسن، وكما قيل فإنّ ألسنة الخلق أقلام الحق، والمقصود خيارهم وليس شرارهم، فقد مرّت جنازة أمام سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا بِخَيْرٍ، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وَسَلَّم: وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِأُخْرَى، فَأُثْنِي عَلَيْهَا بِشَرٍّ، فَقَالَ: وَجَبَتْ، وفي رِوَايَة : كَرَّرَ: وَجَبَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله، مَا وَجَبَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عليه خَيْرًا وَجَبَتْ له الْجَنَّة، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عليه شَرًّا وَجَبَتْ له النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ الله في الْأَرْضِ) متفق عليه، ومع ذلك فإنّا تعلمنا من نهج ديننا الحنيف أنْ لا نجزم بأهلية أحدٍ للجنة أو للنار، فحكمنا إنما هو بالظاهر والخالق تبارك وتعالى أعلم بالظاهر والسرائر، وأسأله تقدست أسماؤه أنْ يستر علينا ويرحمنا في الدنيا والآخرة ويبصرنا بعيوبنا، وأنْ يحشرنا مع عباده الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم أجمعين ، وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (117، 555 ، 1680 ، 1733).
والله سبحانه وتعالى أعلم.