2014/01/16
السؤال:
ما حكم حديث الزوجة في الجنس مع رجل أجنبي واعترفت لزوجها بما فعلت وتطلب السماح وعدم الطلاق؟ هل يحلّ استمرار عقد الزواج أم يطلقها؟
الاسم: محمد جمال
الرد:-
إنّ الزنا كبيرة من كبائر الإثم، وفاحشة عظيمة من الفواحش التي نهى الله تعالى عنها، وحذر منها فقال عز مِن قائل:-
{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [سورة الإسراء: 32].
والآية المباركة حذرت من التقرب من الزنا فهي بذلك تمنع كل الوسائل التي تؤدي إليها، ومنها اختلاط النساء بالرجال، والحديث بينهما إلا ما كان على سبيل الضرورة، وكان منضبطا بضوابط الشرع الشريف الذي وضع تلك الضوابط لكي يحفظ بها الأعراض ويصون بها الحرمات، ومن هنا جاء توجيه القرآن الكريم للنساء بضرورة التحفظ أثناء الكلام بعدم الخضوع فيه، والابتعاد عن الكلمات والحركات التي تُثير الشبهات والشهوات فقال تعالى:-
{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [سورة الأحزاب: 32].
فإذا كان النهي قد ورد بمجرد الخضوع بالقول فما بالك بالحديث مع الرجال بأمور الجنس وما شابه! لا شك أن الحرمة هنا أشدّ، وهذا الفعل يُعدُّ زنا حكما لا حقيقة؛ لقول النبي الكريم عليه من الله تعالى أفضل صلاة وتسليم:-
(إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
ومن أبتلي بمثل هذه الأمور فعليه بالمبادرة بالتوبة النصوح فيقلع عن هذا الفعل فورا ويندم عليه، قال جلّ ذكره:-
{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة الفرقان: 68 ـ 70].
كما يجب عليه أنْ يستر نفسه لقول الرحمة المهداة صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ) الإمام مالك رحمه الله جلّ وعلا.
وعقد الزواج لا ينحل بهذا الفعل، وللزوج أنْ يعفو عن زوجته ويستر عليها لأنّ الله تعالى هو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، قال تبارك اسمه:-
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [سورة الزمر: 53].
ولكن يجب عليه أنْ يقف على الأسباب التي أدت إلى ذلك، وفي هذا الباب إليك الإضاءات الآتية:-
أوّلًا: ينبغي للزوج أنْ يُحصن فرجه ويبتعد عن المحرمات، ويكفي هنا أنْ أشير إلى أبيات رائعة من الشعر للإمام الشافعي رحمه الله تعالى حيث قال:-
عُفّوْا تَعُفُّ نِسَاؤُكُمْ فِي المَحْرَمِ *** وَتَجَنَّبُوْا مَا لَا يَلِيْقُ بِمُسْــــــلِمِ
إِنَّ الزِّنَا دَيْنٌ فَإِنْ أَقْرَضْتَهُ *** كَانَ الوَفَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِكِ فَاعْلَــــــــمِ
يَا هَاتِكًا حُرَمَ الرِّجَالِ وَقَاطِعًا *** سُبُلَ المَوَدَّةِ عِشْتَ غَيْرَ مُكْــــرَمِ
لَوْ كُنْتَ حُرًّا مِنْ سُلَالَةِ مَاجِدٍ *** مَا كُنْتَ هَتَّاكًا لِحُرْمَةِ مُسْـــــــلِمِ
مَنْ يَزْنِ يُزْنَ بِهِ وَلَوْ بِجِدَارِهِ *** إِنْ كُنْتَ يَا هَذَا لَبِيْبًا فَافْهَـــــــــمِ
مَنْ يَزْنِ فِي قَــوْمٍ بِأَلْفَي دِرْهَمٍ *** فِي بَيْتِهِ يُزْنَى بِرُبْعِ الدِّرْهَـمِ
ثانيًا: ينبغي أن يُعين الزوج زوجته على تقوى الله تعالى وطاعته، قال عزّ مِن قائل:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [سورة التحريم: 6].
ويكون ذلك بأنْ يوفّر الزوج البيئة الصالحة التي تساعد على الطاعة وتمنع الفاحشة، وصور ذلك كثيرة، منها أنْ يكون الزوج نفسه مثلا للاقتداء بالمواظبة على الصلاة والابتعاد عن المنكرات بترك مشاهدة الأغاني الهابطة والمسلسلات الخليعة وما إلى ذلك، وسدّ كلّ أبواب الفتنة كالاختلاط بالرجال بسبب الزيارات العائلية المتبادلة؛ فمن هنا يأتي الخطر الكبير، ولذا حذّر حضرة البشير النذير صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه من دخول الأقارب كأخ الزوج مثلا؛ لأنّ دخولهم لا يجلب الشبهة فتقع بذلك الفواحش والمصائب، فقال بأبي وأمّي ونفسي حضرته:-
(الْحَمْوُ الْمَوْتُ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
ثالثًا: ينبغي على الزوج أنْ يؤدي حقّ زوجته ويمنحها من الحنان والعطف والرعاية ما تحتاج؛ حتى لا تشعر بالنقص والحاجة في هذا الجانب فيكون سببًا لطلبه من جهة أخرى غير مشروعة.
رابعًا: ضرورة الصحبة الصالحة للرجل والمرأة، قال تعالى:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [سورة التوبة: 119].
فالصحبة الصالحة تُعين على الالتزام بالحقّ والثبات عليه.
وأخيرًا أسأل الله جلّ في علاه لكم ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدِّين والدنيا والآخرة، وأنْ يوجّه قلوبنا إلى أنوار جماله وجلاله فترتفع بذلك همّتنا عن الرذائل وتتحلّى بالفضائل، إنّه سبحانه وليُّ ذلك والقادر عليه.
والله جلّ جلاله أعلم وأحكم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.