2014/01/21
السؤال:
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته…لو سمحت يا شيخ عندي سؤال وأتمنى الإجابة من حضرتك..
السؤال هو: تقول النصارى إنّ سيّدنا عيسى (عليه السلام) قد صلب ومات أما نحن فنقول: إنّ (الله سبحانه وتعالى) رفعه إليه فهذا ما أخبرنا به القرآن الكريم…فكيف للنصارى أن يعرفوا هذه الحقيقة فنحن لم نعرفها إلا عندما أبلغنا بها القرآن الكريم أما هم فبرفع (الله عزّ وجلّ) لسيّدنا عيسى إليه انقطع نزول الإنجيل؟
الاسم الكامل: مريم
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، شكرا جزيلا لتواصلكم مع هذا الموقع المبارك, وجزاكم الله سبحانه خيراً على أدبكم الجميل في الخطاب على نحو عام، وعند ذكر الله جلّ في علاه، وأنبيائه صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين على نحو خاص، فهذا هو أدب الإسلام عند ذكر الأنبياء الكرام صلى الله تعالى عليهم وسلم تسليما كثيرا؛ فينبغي أن نُقدم بين يدي ذكرهم ألفاظ التوقير والتعزير كلفظ سيّدنا التي أسندتيها لسيّدنا عيسى على حضرته وعلى نبيّنا أفضل صلاة وسلام، كيف لا وقد قال الله تعالى في حضرته {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام / من الآية 45].
ومِنَ المعلوم في شريعة الإسلام الغراء أنّ أحد أركان الإيمان هو الإيمان بجميع الأنبياء والرُسل صلى الله تعالى وسلم عليهم أجمعين؛ قال عزّ مِنْ قائل {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [سورة البقرة /الآية 285]، وقال نبيّنا الكريم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم في حديث سيّدنا جبريل عليه السلام المعروف (— مَا الْإِيمَانُ قَالَ الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَلِقَائِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ —) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
ومن المفروض أنْ يُؤمن أهل الكتاب بنبينا الخاتم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم ؛ فدِّين الإسلام دِّين نسخ ما قبله مِن الأديان؛ قال تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِليكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ —} [سورة المائدة / من الآية 48]، وقال تعالى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة آل عمرآن عليهم السلام / الآية 85].
فرسولنا الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين قد أكمل وأتمّ ما جاء به الرسل الكرام صلى الله تعالى وسلم عليهم أجمعين، قال سيّدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى وسلم عَلَيْهِ وآله وصحبه ومَنْ والاه (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ، قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
ولقد تشرف بعض أهل الكتاب بالإيمان بالرسول الخاتم سيّدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فنالوا بذلك أجرهم مرتين؛ قال جلّ وعلا في حقهم {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [سورة القصص/الآيات 52 – 54]، وبالإيمان بالرسول صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، واتباع شرعه الشريف تنكشف للإنسان حقائق العقيدة فيما يتعلق بالتوحيد وما شابه ذلك، وباليوم الآخر وما يتعلق به، وبالقضاء والقدر، وغير ذلك من الأمور التي لا يزال غير المسلمين يتخبطون في فهمها، ويقفون عاجزين عن إدراك بعض معانيها, فلا عجب أنْ يبقى النصارى غير مدركين لحقيقة أنّ الله جلّ وعلا قد رفع سيّدنا عيسى على حضرته وعلى نبيّنا الكريم أفضل صلاة وسلام وعلى آله وصحبه الكرام؛ قال تبارك اسمه {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [سورة النساء/الآية 158].
بل هم في متاهة مِنْ إدراك حقيقة التوحيد، وهي حقيقة عظمى أكبر مِنْ هذه المسألة، قال تعالى في حقهم {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة المائدة / الآية 73].
وعليه فلكي يعي النصارى هذه الحقائق العظيمة عليهم أنْ يتجردوا مِنْ معتقداتهم الباطلة ، ويُحكموا عقولهم، ويُفكروا بحيادية مطلقة، ولا يكونوا كمَنْ قال الله عزّ وجلّ فيهم {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [سورة الزخرف / الآية 22]، ومَنْ يبحث عن الحقيقة بصدق فإنه سيهتدي إليها بإذن الله تعالى؛ وعندها ستزول عنه كلّ الشبهات، وسيكون على هدىٍ من ربه تبارك وتعالى، قال جلّ في علاه {— مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [سورة الكهف / من الآية 17].
ومِن السُبل اليسيرة للهداية إلى هذه الحقائق الإيمان بالقرآن الكريم الذي ذكر تلك الحقائق وغيرها، وبيّنها في أسلوب واضح وصريح، ولقد أسهم العلم الحديث في الكشف عن حقائق علمية عديدة ذكرها القرآن الكريم قبل قرون عدة، وكان لهذا التطابق بين هذه الحقائق العلمية الدقيقة المتقدمة والآيات التي ذكرتها في القرآن الكريم السبب الفاعل لدخول الكثير من العلماء والناس من أهل الكتاب في الإسلام، ولك أن تُحيل الباحث عن الحقيقة من أهل الكتاب إلى تلك الحقائق لدراستها والوقوف على الإعجاز العلمي فيها، ودراسة آيات القرآن الكريم التي تناولتها، ويُمكن الإفادة مما كتبه الشيخ الدكتور زغلول النجار حفظه الله تعالى، فقد تناول الإعجاز العلمي الوارد في القرآن الكريم، وله في ذلك كتب عدة جمعت أشكال الإعجاز العلمي المذكور في القرآن الكريم حول الأرض والسماء والإنسان والحيوان على نحو لا يدع المجال للشك بأن هذا الكلام هو كلام الله تعالى المُعجز لخلقه الهادي إلى سواء السبيل، وأن كل ما فيه هو حق صريح، قال سبحانه {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [سورة الشورة/الآيتان 52 – 53].
وممّا يعين على إدراك الحق الاطلاع على سير النصارى الذين اهتدوا لدين الإسلام ففيها الكثير من البيّنات الواضحات والحجج الدامغات على أنّ الإسلام دينٌ سماويٌّ حقٌّ، ولاسيما إذا كان أولئك المهتدون من ذوي الاختصاص فيهم كالرهبان والقساوسة وما شاكل ذلك، كالقس الأمريكي جوزيف إدورد إستس واسمه الآن يوسف إستس، والقس كنيث جنكيز واسمه الآن عبد الله الفاروق، والحاخام يوسف كوهين واسمه اليوم يوسف خطاب، وقس الفاتكان إدريس توفيق، وغيرهم.
ولقد أصبح الحصول على هذه المعلومات متيسرة بفضل الله تعالى عبر مواقع التواصل والإنترنت، وفي الختام أرجو أنْ لا ينشغل المسلم في الجدالات العقيمة، وأنْ يستثمر طاقاته الفكرية والروحية في خدمة مَنْ يجده قريبا من الحق مستعدا لاتباعه، والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.