2014/01/25
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
شيخنا الفاضل نسأل الله تعالى لكم العفو والعافية في الدنيا والآخرة..
شيخنا الفاضل، هل تجوز الصلاة على مَنْ فجّر نفسه على المسلمين الأبرياء وقتل من المسلمين من الأطفال والنساء والشيوخ؟
وأسأل الله أنْ يوفقكم لما يحبه ويرضاه.
الاسم: محمد جواد كريم
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك على دعواتك الطيبة وأدعو لك بمثلها.
إنّ استحلال دماء الأبرياء يخالف الشريعة الإسلامية الغرّاء التي حرمت الاعتداء على النفس الإنسانية، وحرمة الدماء مقصد من مقاصدها، فالذي فجّر نفسه جمع بين كبيرتين:
الأولى: قتل نفسه.
والثانية: قتل الأبرياء من الناس.
والنبيّ صلي الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم قال في الحديث الشريف (كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
وشواهد القرآن الكريم فيما يتعلق بحرمة الدماء نراها في قول الله تبارك اسمه {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء /29]، وكذلك قوله سبحانه {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة / 32]. وقوله جلّ في علاه {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة / 45].
فلا يحلّ لمسلم أنْ يقتل مسلماً إلا بأحدى ثلاث، فعن سيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه (أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحلّ دم امرىء مسلم يشهد أن لا الَه إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ وجلّ.
فالدماء لها حرمة عظيمة عند رب الأرض والسماء، قال جل وعلا {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ} [الاسراء:33].
ومعنى قوله (إلا بالحق) هو ما بيّنه النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام في حديثه السابق وأحاديث أخرى شريفة.
فهذه هي الحالات الثلاث التي تسفك فيها الدماء مع البيّنة، ويكون ذلك على يد ولي الأمر أو مَنْ ينوب عنه، ولا يترك الأمر فوضى فيتحوّل المجتمع إلى غابة فيقتل القوي فيه الضعيف أو يتحوّل الأمر إلى مسألة قبائلية وعشائرية جاهلية أو حزبية مقيتة، والتي جاء الإسلام ليحرر الناس منها، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه: (… ما بال دعوى الجاهلية … ثمّ قال: دعوها فإنها منتنة) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
وقال صلى الله تعالى وسلم على ذاته وصفاته وآله وصحابته (ومن ادّعى دعوى الجاهلية، فإنه من جثا جهنّم) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.
والمعنى: أنه مَن بقي على جاهليته وادّعى بها أي:- ينصر ابن قبيلته وعشيرته أو حزبه سواء كان ظالما أو مظلوما – فهذا الشيء من فحم جهنم وحصاه والعياذ بالله جلّ في علاه.
وجاء في الحديث الشريف أيضاً (أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حقّ ليهريق دمه) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
إن قتل النفس المؤمنة بغير الوجهة الشرعية التي ذكرت في الحديث الشريف، كبيرة من أعظم الكبائر وتأتي مباشرة بعد كبيرة الإشراك بالله عزّ وجلّ، والتي وعد الله سبحانه مرتكبها نار جهنم خالدا فيها، هذا ما بيّنه جلّ جلاله وعمّ نواله في محكم تنزيله عند ذكر صفات عباده فقال تبارك اسمه {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً} [الفرقان:68، 69]. وقال متوعدا القاتل: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء:93].
وأما الأحاديث التي تحذر من ارتكاب مثل هذه الجرائم فهي كثيرة، أذكر منها الآتي:
1- قوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين: (كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلاَّ مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا أَوْ مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) الإمام أبو داود رحمه الله الغفور الودود سبحانه. وقد قال سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنّ قاتل المؤمن متعمدا لا توبة له.
2- وعنه أيضا رضي الله تعالى عنه أنه سأله سائل فقال: (يا أبا العباس! هل للقاتل من توبة؟ فقال: كالمعجب من شأنه: ماذا تقول؟! فأعاد عليه مسألته، فقال: ماذا تقول؟! مرتين أو ثلاثاً، ثمّ قال: [أنّى له توبة!] سمعت نبيّكم صلى الله عليه وسلم يقول: (يأتي المقتول متعلّقا رأسه بإحدى يديه، متلبّبا قاتله باليد الأخرى، تشخب أوداجه دما، حتى يأتي به العرش، فيقول المقتول لرب العالمين: هذا قتلني، فيقول الله للقاتل: تعست ويذهب به الى النّار) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى. ومعنى متلببا: أي متمسكا بالقاتل بشدة، ومعنى تشخب أوداجه: أي أنّ عروقه يتدفق منها الدم بغزارة.
3- قوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: (يجيء المقتول آخذا قاتله وأوداجه تشخب دماً عند ذي العزة، فيقول: يا رب! سل هذا فيم قتلني: فيقول فيم قتلته؟ قال: قتلته لتكون العزّة لفلان، قيل: هي لله) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.
وفي هذا الحديث إشارة تبيّن للذي يقتل نفساً مؤمنة بأوامر عمياء لأجل فلان أو فلان، أو حمية لعشيرته أو قبيلته أو حزبه، سيقف بين يدي الله تعالى فيحاسبه ثمّ يلقى في النار، وقد ثبت أنّ أول ما يقضي به الحق عزّ وجلّ بين الناس الدماء، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
4- عن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعو لعصبية أو ينصر عصبية فقتل فقتلة جاهلية ومن خرج على أمتي بسيفه يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
5- قال صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه (إذا أصبح إبليس بثّ جنوده فيقول: من أخذل اليوم مسلما ألبسه التاج، قال: فيجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى طلّق إمرته، فيقول: أوشك أن يتزوج، ويجيء هذا فيقول: لم أزل حتى عقّ والديه، فيقول: يوشك أن يبرّهما، ويجيء هذا فيقول: لم أزل حتى أشرك، فيقول: أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت، ويلبسه التاج) الإمام ابن حبان رحمه الرحيم الرحمن جلّ وعلا.
6- قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام: (من قتل مؤمناً فاغتبط بقتله؛ لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى. ومعنى الحديث الشريف أنه تكون هناك فتن يكثر فيها القتال بين المسلمين وكلّ واحد منهم يقاتل ويرى نفسه أنّه على الحق فيقتل أحدهم الآخر، فباعتقاده هذا ينسى نفسه فلا يتوب ويستغفر الله تعالى وبالتالي يبقى على إجرامه فلا يقبل الله سبحانه منه فرضا ولا تطوعا وترد عليه عبادته لأنّ الله عزّ وجلّ لا يقبل العبادة إلا من المتقين، وأنّى تكون التقوى لمَن استحلّ دم أخيه المسلم؟! وذكر أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم عن معنى: (اغتَبَط بقتله) قالوا: الذين يقاتلون في الفتنة، فيَقتل أحدُهم، فيرى أنه على هُدى لا يستغفر الله جلّ وعلا من ذلك.
7- قال صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: (لا يزالُ المؤمن مُعْنقاً صالحاً ما لم يُصِب دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بَلَّح) الإمام ابو داود رحمه الله تعالى. ومعنى معنقا أي خفيف الظهر، ومعنى بلّح أي انقطع.
8- وقال أيضا: (يخرج عنق من النار يتكلّم يقول: وكّلت اليوم بثلاثة: بكلّ جبّار عنيد، ومن جعل مع الله إلهاً آخر، ومن قتل نفساً بغير حقّ، فينطوي عليهم، فيقذفهم في غمرات جهنّم) الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
ولعظم هذا الأمر [أي أمر القتل]، فإنّ الإسلام لم يحرّم دماء المسلمين فحسب بل حرّم دماء المشركين والكافرين غير المحاربين قبل إقامة الحجة عليهم ودعوتهم للإسلام، وكذلك مَن كان له عهد أو أمان عند أحد من المسلمين، وكذلك أهل الذمة من أهل الكتاب وغير ذلك ممّن لهم عهد وميثاق، فهذه بعض الأحاديث التي وردت في هذا الباب:-
1- قال صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: (مَنْ قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإنّ ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه. ومعنى يرح رائحة الجنة: أي لم يجد ريحها ولم يشمها.
2- وعن سيّدنا أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قتل رجلا من أهل الذمة؛ لم يجد ريح الجنة، وإنّ ريحها لتوجد من مسيرة سبعين عاما) الإمام النسائي رحمه الله تعالى.
3- (مَنْ أمّنَ رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل، وإنْ كان المقتول كافراً) الإمام النسائي رحمه الله تعالى.
فإذا كان هذا بحق من قتل كافراً بغير حق فكيف بقتل المسلم الموحِّد؟! بل إنّ ترويع المسلم يعدّ من الكبائر فكيف بقتله؟!
وانظر رحمك الله تعالى إلى بعض هذه الأحاديث التي وردت بالنهي عن ترويع المسلمين فضلاً عن قتلهم:
1- قال صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً) الإمام أبو داود رحمه الله سبحانه.
2- (لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يديه فيقع في حفرة من النار) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.
3- (من أشار الى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه وإن كان أخاه لأبيه وأمه) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
4- (مَنْ حمل علينا السلاح فليس منّا) الإمام البخاري رحمه الله جلّ جلاله.
لذا مَن استحل دماء المسلمين يعد من الخوارج، وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى في الصلاة على قتلى الخوارج والقدرية: (لا يصلى على موتاهم ولا يتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم، فإذا قتلوا فذلك أحرى عندي أنْ لا يصلى عليهم)، وبقوله أقولُ وأنا العبد الذليل كيف لا وهو إمام دار الهجرة صلى الله تعالى وسلم على ساكنها وآله وصحبه البررة، ورضي عن هذا الإمام الهمام الذي قيل فيه (لا يفتى ومالك في المدينة).
هذا بالإضافة إلى محرّمات كثيرة تصاحب هذه العمليات الإجرامية الشيطانية الشنيعة كالاعتداء على الأموال وفتح باب الفتن على الدوام، وهذا من الإفساد البيّن في الأرض قال تعالى {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]، وعن سيّدنا عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ – قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ، فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
والله عزّ وجلّ أعلم.