2014/02/24

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي الغالي حفظكم الله تعالى وزادكم نورا منه جلّ جلاله.

هل إتباعنا لسنة الحبيب صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم في صلاة وصوم وزكاة وحج تُدخلنا تحت حديثه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (لا يُؤمِنُ أحدُّكم حتى أكونَ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)، (لا يُؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحب إليه من نفسه) فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين كانوا يفدونه بأنفسهم وأموالهم صلوات ربي وسلامه عليه في حياته صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، فكيف نعمل مثلهم رضي الله عنهم لتشملنا هذه الأحاديث الشريفة؟

 

الاسم: أم رحمه

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك على دعواتك الطيبة وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يحفظكم ويرعاكم ويوفقكم ويكرمكم بما هو أهله إنّه سبحانه سميع مجيب.

بارك الله تعالى فيكم وزادنا وإيّاكم حبا في هذا النبيّ العظيم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم ورزقنا وإيّاكم حسن اتباعه في الأقوال والأفعال والأحوال إنّه جلّ جلاله هو الرزاق ذو الإنعام والإفضال.

إنّ محبّة حضرة النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم أصل عظيم مِن أصول الإسلام وأصل أعمال القلوب، وشرط مِن شروط صحة الإيمان، قال الله جلّ جلاله {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة/ 24]، وقال حضرة النبيّ المكرّم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.

ويجب أولا أنْ نفهم معنى الحبّ فهذه الكلمة لم تفهم بمضمونها الصحيح.

أصل المحبة الميل لما يوافق المُحِب وتعلقها بالمحسوسات والمعقولات فقد يحب الشيء لاستلذاذه بإدراكه بحواسه الظاهرة، كمحبة الأشياء الجميلة والمستلذة والمستحسنة، أو بحاسة العقل، كمحبته الفضلاء وأهل المعروف والعلم وذوي السير الحسنة، أو لمَن يناله إحسان وإفضال مِن قبله حتى قيل في تعريفها: الميْل الدائم بالقلب الهائم، ولهذا حين سئل سيّدنا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: (كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان والله أحبّ إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ) الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم للقاضي عياض رحمه الله جلّ وعلا.

وحين قال سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه لحضرة النبيّ صلى الله تعالى وسلم على ذاته وصفاته وعلى آله وصحابته: يا رسول الله لأنت أحبّ إليّ من كلّ شيء إلا من نفسي أجابه الرسول عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام بقوله: (لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحبّ إليك من نفسك، فقال عندها عمر: فإنه الآن والله لأنت أحبّ إليّ من نفسي، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

فليست المحبة هي الاتباع في أصل معناها, إنّما الاتباع لازم مِن لوازمها وأثر طبيعي لها قال ربنا تبارك اسمه {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران عليه السلام/31]، وقد يتبع الانسان شخصاً وهو مُكرَه, لكن المحبة في الشرع ليست مجرد عاطفة متعلقة بالوجدان وحده، وإنّما هي متعلقة بالوجدان والعاطفة، والعقل والإرداة وعمل القلب وعمل الجوارح، فالمحبة الصادقة تبعث على الاتباع:

تَعصي الإله وأنت تُظهر حُبه                 هذا لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقا لأطعته                    إنّ المُحبّ لمَنْ يُحب مُطيع

أمّا روافد المحبة :

1- الاتباع قال جلّ وعلا {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران عليهم السلام/ 31].

فمحبة الله تبارك اسمه ومحبة حبيبه ومصطفاه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم متلازمتان لا تنفكان، قال (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وهذه الفرائض والنوافل هو مَنْ علمنا إيّاها، فكلما حرص المسلم على اتباع النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام زادت محبته.

والإتباع قسمان:

الأول: فطري: كاتباع الأبناء لآبائهم، أو العكس إذ قد يجد الوالد نفسه متبعا لولده بسبب حبّه له.

والثاني: قسري: كمَنْ يؤمر بأمر فلم يجد بدّا إلا تنفيذه وهو كاره، وسبب التنفيذ الخوف من العقوبة لأنّ الآمر أعلى رتبة من المأمور.

فالاتباع بالمعنى العام رافد من روافد المحبّة لسيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، لكنْ مع التأكيد على أنّ الاتباع ليس معناه عدم حصول الخطأ مِنَ المسلم ساهيا كان أو عامدا، فالاتباع الذي يرقى إلى مراتب الإيمان لا يجعله معصوما مِنَ الوقوع في الخطأ، فالعصمة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقط، وفي السنّة المطهرة الكثير من الأدلة على ذلك منها ما ورد عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.

2- تتبّع سيرته العطرة وشمائله النيّرة فكتب الحديث والسيرة تذْكُر الفضائل والصفات الخَلقية والخُلقية لسيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم, فإذا تذكّر الإنسان فضائل سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام وإحسانه إلى الناس وقرأ الأخبار في ذلك فإنّ هذا سيبعثه بلا شك على محبة هذا الرسول الكريم صلى الله تعالى وسلم على ذاته وصفاته وآله وصحابته، وكلما ازداد اطلاعًا في هذا كلما ازداد محبة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، وكذلك تذّكُر جمال أخلاقه وجمال خلقه، فإنّ النفوس مجبولة أيضًا على حبّ الجميل، فكلّ شيء جميل تحبه النفس وتتعلق به، وسيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم حاز جمال الخَلق وجمال الخُلق، وكلما أكثر الإنسان مِن القراءة في أخباره صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه في صفاته وشمائله وفي تعامله فإنّ هذه الصفات التي حباه الله عزّ وجلّ إياها والأخلاق التي منحه تبعث الإنسان على محبته عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أجمعين وتعلق قلبه به, كما أنّ كثرة  الصلاة عليه مِنْ دلائل محبته  فمَنْ أحبّ شيئاً أكثر ذكره.

3- البحث عن حضرات السادة المرشدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين والسلوك على أيديهم المباركة باعتبارهم ورّاثا لحضرة خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين.

وكُنْ لربك ذا حُبٍ لتخدمه                                  إنّ المُحبين للأحباب خُدّام   

وصلى الله تعالى على مَنْ حبُّهُ حياة الأرواح وذكره زينة الأفراح سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه ما غرّد طير صدّاح، والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.