2014/02/26

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

شيخنا الفاضل أطال الله عمرك وأدام عليك فضله وكرمه ونفع بك أمّة حبيبه صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه.

سؤالي:

أنا بدأت بالاستغفار لجميع المسلمين والمسلمات لعلّ الله يرفع عن كلّ أمة سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم البلاء لأن الله تعالى ذكر في سورة سيّدنا نوح وسيّدنا ابراهيم عليهما السلام الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات ولم يذكر المسلمين والمسلمات فهل عملي جائز شرعا؟ أفيدونا برأيكم جزاكم الله عنّا كلّ خير. 

 

الاسم: suma

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله جلّ وعلا خير الجزاء ووفقك لما يحب ويرضى.

قال الله العليم العلام سبحانه {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران عليهم السلام /136 – 137].

وورد عن حضرة خاتم النبيين وسيّد المرسلين صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم أنه قال (مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ حَسَنَةً) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى، كما ورد أيضاً أنَّ من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب فإنَّ المَلَكَ يُؤمِن على دعائه ويدعو له بمثله فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى وسلّم عَلَيْهِ وآله وصحبه وَمَنْ وَالاه (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ وَلَكَ بِمِثْلٍ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، فدعاؤك للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات يؤمن عليه الملك ويدعو لك بمثله.

سأل رجلٌ سيّدنا الحسن البصري رحمه الله تعالى فقال: (يا أبا سعيد: أمؤمن أنت؟ فقال له: الإيمان إيمانان, فإنْ كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب, فأنا به مؤمن، وإنْ كنت تسألني عن قول الله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال/2 – 4]، فوالله ما أدري أنا منهم أم لا ؟) ذكره الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره.

وبناء على هذا أقول وبالله تعالى التوفيق: إنّ المؤمن يدخل في الإيمان بمجرد شهادته بالتوحيد والرسالة وإقراره وعمله بأركان الإيمان والإسلام مع سلامته من الإتيان بناقض من نواقض الإسلام قولياً كان أو عملياً، قال الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (أشهد أنْ لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة) الإمام مسلم رحمه الله تعالى .

فإن تحديد الفرق بين المؤمن والمسلم ينبني على تحديد الفرق بين الإسلام والإيمان، والقاعدة عند العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
فإذا ورد الإسلام والإيمان في نص واحد، كان معنى الإسلام  الأعمال الظاهرة. ومعنى الإيمان  الاعتقادات الباطنة، كقوله تعالى {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}  [الحجرات/14].

أما إذا ذكر الإسلام وحده دخل في معناه الإيمان، كقوله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ} [آل عمران عليهم السلام/19].

وإذا ذكر الإيمان وحده دخل فيه الإسلام، كقوله سبحانه {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [المائدة/5].

فقول الله جلّ في علاه على لسان سيّدنا نوح عليه السلام {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} [نوح عليه السلام/ 28].

{ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} (هَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ تعالى وَصَدَّقَ الرُّسُلَ عليهم السلام) الإمام البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره، وقال الإمام القرطبي رحمه الله عزّ وجلّ أنَّه (عَامَّةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).

وقول ربّنا تبارك اسمه على لسان سيّدنا إبراهيم عليه السلام {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم عليه السلام : 41].

ولو راجعت كتب التفسير لوجدت أنَّ كلمة المؤمنين جاءت بمعناها العام الذي قصد به المسلم والمؤمن على حدٍ سواء.

ولما تقدّم فلا حرج أنْ يدعو المسلم بالاستغفار لإخوانه من المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر / 10].

والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.