2014/03/04
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيّدي وشيخنا العزيز قد أتعبناكم من كثرة أسئلتنا .. إلا أننا نحب التواصل لشعورنا بنقص في العلم والرحمة.. عسى الله أن يهدينا لنقرب من هذا رشدا.
أود أنْ أتعرّف أكثر على معنى وصحة هذا الحديث الشريف:
((رغم أنف ثمّ رغم أنف ثمّ رغم أنف من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة)). مع الشكر والحب والتقدير
ابنكم المخلص إنْ شاء الله
موسى
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أرجو أنْ لا تجد حرجاً في طرح أسئلتك، فمن واجبي خدمتكم وأسأل ربنا عزّ وجلّ أنْ ييسّر لي ذلك ويجعلني عند حسن ظنكم.
الحديث الشريف الذي تسأل عنه صحيحٌ أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
أمّا عن معناه فيجب أنْ نعلم أولاً أنّ للعرب عبارات تستعمل للتوبيخ أو للتنبيه قد تكون مقصودة بمعناها أو برمزيتها، فممّا يقصد لرمزيته قولهم (ثكلتك أمّك)، فظاهره الدعاء بالموت والحقيقة ليست كذلك وإنما لحث المقابل على التنبّه لأمر قد أتاه أو غفل عنه، وقول أحدهم (بأبي أنت وأمّي) قد لا يكون له معنى حقيقي إذا علمنا أنّ القائل أبواه ميتان، إذ كيف يفدي الميتُ الحيَّ؟.
ومن المعاني الحقيقية المقصودة والرمزية في ذات الوقت قول سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ) ومعنى رغم أنف: أي تمرّغ أنفه في التراب كناية عن الإهانة لأنّ العرب يعتبرون الأنف من رموز العزة والكرامة، وقد جاء في القرآن الكريم بهذا المعنى في قوله جلّ وعلا {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} [القلم: 16]، أي سنجعل على أنفه علامة يعيّر بها ما عاش، فخطم أنفه بالسيف يوم بدر.
واستعمال حضرة النبيّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هذه العبارات ليس مستغربا لأنه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام بعث في العرب ولابدّ من استعمال مصطلحاتهم التي اعتادوا عليها ويفهمونها لإيصال الفكرة لهم ما لم تكن عبارات محرمة.
قال ربنا جلّ جلاله وعمّ نواله {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم-عليه السلام- 4].
ولا شكّ أنّ المعنى العام للحديث الشريف يبيّن عظم أجر برّ الوالدين، فمَنْ أدرك أحدهما أو كلاهما فأحسن إليهما وبرّهما فلابدّ أنْ يكون ذلك سببا لدخول الجنة، فمَنْ فرّط في ذلك فإرغام أنفه في التراب لا يعدّ شيئا تجاه عذاب الله عزّ وجلّ، نسأل الله تعالى العافية.
والله تبارك اسمه أعلم.