2014/03/13

السؤال:

السلام عليكم سيّدي الشيخ، أتمنى أنْ تكون بصحة طيبة، كيف نجب على غير المسلم عندما يسأل كيف تعبدون إلها لا تروه، جزاكم الله عزّ وجلّ خيرا.

 

الاسم: ام اواب

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك على أمنيتك لي، وأتمناها لحضرتك ولجميع الناس.

فقد تصدى علماء المسلمين رضي الله تعالى عنهم وعنكم قديماً وحديثاً لمنكري وجود الخالق سبحانه وتعالى وألفوا كتباً ومجلدات في علم الكلام  فيها أدلة تثبت وجود الخالق جلّ وعلا وهذه الأدلة منها نقلية ومنها عقلية وكتب العقيدة والفلسفة الإسلامية مليئة بذلك ولا يتسع المقام لذكرها، ويمكن الرجوع اليها.

وأهل الإلحاد لم يعد لهم اليوم شأن يذكر، بل لم يعد هذا الموضوع من المواضيع المثيرة للاهتمام  بعد أنْ صدمتهم الحقائق العلمية ببراهين تثبت وجود الخالق سبحانه وتعالى في الوقت الذي كانوا يجعلون من العلم الحديث فيما يزعمون وسيلة لإثبات شبهاتهم.

فعلماء الإلحاد في العالم توصلوا بالطرق العلمية أنّ لهذا الكون خالقاً موجداً ليس من جنس الأشياء وهو علة لوجود الأشياء.

ومن جملة ما أقروه أنّ هذا الكون حادث وأنّ له نهاية، وأنّ بدايته كانت نتيجة انفجار هائل ونتيجة لهذا الانفجار كان الزمان والمكان، وقبله لم يكن هنالك لا مكان ولا زمان، وأنّ هذا الانفجار أوجد الكواكب فهو انفجار منتظم غير عشوائي، وأنّه لا بدّ من فاعل قادر عالم لهذا الانفجار المنظم، فأثبتوا أنّ لهذه الطبيعة  قوّة خفية تديرها وتدبر شؤونها وهذه القوة هي فيما وراء الطبيعة ليست من جنسها وهو مصداق قوله سبحانه {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء عليهم الصلاة والسلام /20].

وكتب الإعجاز العلمي اليوم مليئة بأمثال ذلك في مختلف الجوانب وأنّ كثيراً من اكتشافاتهم في هذا العالم المنظور موجودة في كتاب الله تعالى المسطور أو في السنّة النبوية المطهرة قد نبأنا به قبل عدة قرون.

وعلماء الطبيعة مثلاً اكتشفوا قانون الجاذبية، لكن أجهزتهم لم تعرف كنه تلك الطاقة، فهم لم يشاهدوها، وإنما شاهدو آثارها، وهناك ما لا يعد ولا يحصى من الأمثلة والشواهد على أنّ العلم يؤمن بوجود أشياء لم يرها.

أمّا عن الإيمان بما لا تراه الأعين من أمور الغيب، فليس كل ما لا تراه العين غير موجود.

وهنا تحضرني قصة وهي أنّ استاذا ملحدا كان يدرس الطلاب فقال لهم: هل ترون السبورة؟ قالوا: نعم، ثمّ قال: هل ترون الكتاب؟ قالوا: نعم، ثمّ قال: هل تروني؟ قالوا: نعم، إذن أنا والكتاب والسبورة موجودون، ثمّ قال: هل ترون الله؟ قالوا: لا، فقال: إذن هو غير موجود، فسخّر الله سبحانه وتعالى طالبا في آخر زاوية من غرفة الدرس جعلوه هناك ازدراء به لأنه كان غير نشيط فاستأذن الأستاذ فأذن له فقام وخاطب زملائه قائلا:- هل ترون عقل الأستاذ؟ قالوا:- لا، فقال:- على حسب رأي أستاذنا، لا عقل له {فبُهِتَ الذي كَفَر} فسبحان الذي ينصر دينه بأضعف خلقه.

وقد قسم العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم الغيب من حيث دلالته الزمانية على ثلاثة أقسام: غيب في الماضي، وغيب في الحاضر، وغيب في المستقبل.

أمّا غيب الماضي فنحن لم نشهد أحداثه وإنما علمنا بها ممّن نقل إلينا سواء من كتب التاريخ إنْ كانت تتعلق بالأحداث التاريخية، أم أخبار الأمم والأنبياء السابقين (صلى الله تعالى عليهم أجمعين) عن طريق الوحي (القرآن الكريم والسنة المطهرة) وآمنا بها وصدقناها.

فمن القضايا التاريخية في الماضي القريب كانت الدولة العلية تحكم بلاد المسلمين ونحن لم نشهد أحداث تلك الدولة لكن هل هناك عاقل ينكر وجودها في تلك الفترة؟

وغيب الحاضر ما نعيشه ولم نره، فهناك مثلاً ملايين الأحياء المجهرية تشاركنا حياتنا، فعدم رؤيتنا لها لا يعني عدم وجودها، وهناك أماكن في هذا الكون لم نرها، لكنها موجودة، فالأعمى مثلاً فاقد لحاسة البصر فعدم رؤيته لما يدور حوله لا يدل على عدم وجود الأشياء حوله والأمثلة على ذلك كثيرة.

وغيب المستقبل ما لم نشهد أحداثه لأنها لم تقع بعد، فهناك بعض أمور الغيب يمكن للإنسان معرفتها بالوسائل التي منحها الله تعالى له سواء أكانت وحياً للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أم كشفاً للأولياء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، أم استقراءً لعلماء الطبيعة كمعرفة العلم اليوم بحصول ظاهرتي الخسوف والكسوف أو غيرهما بعد مدة معينة ثمّ تقع، فنحن نؤمن بكل ذلك.

فمسألة إنكار الخالق جلّ وعلا اندثرت اليوم ولا أرى أنّ الحديث فيها ذو جدوى بسبب ما ذكرت من توالي الحقائق العلمية التي انقلبت على ا
لملحدين عالمهم وجاهلهم .

فالحق تبارك اسمه يقول {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام / 103].

وإنّما عرف الناس وجوده سبحانه وتعالى ممّا جاءهم به الأنبياء والمرسلون صلى الله تعالى عليهم أجمعين، وأمّا غير المؤمنين فعرفوا وجوده مما توصلوا إليه من الحقائق العلمية التي لا مجال لإنكارها أو التغاضي عنها، قال تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت/ 53].

والله تبارك وتعالى أعلم .