2014/03/15
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كيف حالكم سيّدي
أسأل الله التوفيق والصحة والعافية لنا ولكم
سؤالي هو:
هل قيام الحد واجب على المرتد عن الدين الإسلامي؟
إذا كان الجواب نعم لماذا؟
وإذا كان الغرض من قيام الحد على شخص مرتد لتوقيفه عن تشويه الدين
فما هو فرقهُ عن شخص غير مسلم يشوّه الدين أيضا؟
الاسم: عبد الله بشير
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أنا بحمد الله تعالى وبركة دعائكم بخير وأسال الله عزّ وجلّ لكم التوفيق والسداد بما يرضيه سبحانه.
سؤالك الأول: هل هناك حدّ يقام على المرتد؟
الجواب: نعم يقام على المرتد حدّ، بقول سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (مَنْ بدّل دينه فاقتلوه) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه، وقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، والنفس بالنفس) متفق عليه، وقد طبّق الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم حد الردة بعد حياة حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم دون نكير.
أما سؤالك الثاني: لماذا؟
فليس من مهامنا بصفتنا مسلمين أنْ نسأل حيال أحكام الشرع الشريف: لماذا؟ فالأحكام الشرعية ومنها الحدود تطبّق متى ما وجدت عللها وأسبابها، فلا نسأل لماذا نصلي ولماذا نحج ولماذا نصوم شهراً واحداً في العام وليس أسبوعا، نعم قد يظهر لطائفة من العلماء حِكَمُ بعض العبادات ولكن معرفة هذه الحِكَم إن صحّت لا ترتبط بمدى إلتزامنا بها، قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى (البحث عن الحكمة من العبادة نقصان في العبودية) أي إذا كانت العبادة لا تصدر من العبد إلا بعد أنْ يعرف الحكمة منها فهذا دليل على نقصان في عبوديته، أمّا معرفة الحكمة للتعرّف على جمال وكمال الشرع الشريف فهذا أمر مطلوب ومرغوب.
وقد بيّن الفقهاء رحمهم الله تعالى أنّ سبب قتل المرتد هو أنّ أعداء الإسلام وخاصة في صدر الرسالة تظاهروا بدخولهم فيه ثمّ خرجوا منه لإضعاف الروح المعنوية للمسلمين وزرع الشكّ في نفوسهم، وقد بيّن الله تبارك وتعالى ذلك في قوله سبحانه {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران عليهم السلام:72]، مع إنهم قد دخلوا الإسلام طوعاً إذ لا إكراه في الدين كما بيّن ربّنا عزّ وجلّ ذلك بقوله {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256]، وقوله جلّ في علاه {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ —} [الكهف: 29].
أمّا عن سؤالك الأخير، لماذا لا تنطبق العقوبة على غير المسلم الذي يشوّه الدين الإسلامي، فالمعروف أنّ العدوّ الداخلي أشد أذى من العدوّ الخارجي، مع ملاحظة أنّ بعض الأحكام سواء كانت شرعية أم قانونية تطبّق على مَنْ يقع تحت ولاية مشرِّع الأحكام، فأنت تطبّق العقوبة على أولادك أو مَنْ يعيش داخل بيتك ولا يمكن أنْ تطبّقها على أهل بيت آخر.
ومع ذلك أقول: إنّ الضرر البيّن والمتعمد الذي يحدثه غير المسلم بسمعة الإسلام أو المسلمين قد يرى فيه وليّ الأمر ما يستحقه من عقوبة تعزيرية تقدّر بقدرها ووفقا لوقائعها، ولا يمكن أنْ نطلق عليه حداً لأنّ الحدود معروفة ولا يجوز إضافة أحداث أخرى عليها.
بقي أنْ أقول: إنّ ما قدمته من كلام لا يمكن أنْ يؤخذ ويطبّق على واقع الناس المعاش الآن، ما لم توجد دار الإسلام التي ينعم الناس بفضلها وعدلها ويلمسون السعادة بتفيئهم ظلال حكم الله سبحانه وتعالى وسنّة نبيّه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، فقد يصف الطبيب دواء ويؤكّد على أنْ لا يؤخذ على بطن خاوية لأنّه قد يؤذي أكثر ممّا يفيد، وهكذا هي أحكام الشرع الشريف وخصوصا منها الحدود لا يمكن تطبيقها دون وجود الأرضية اللازمة لها من راعٍ ورعية وقضاة وآليات سليمة لتنفيذها.
والله جلّ وعلا أعلم.