2014/03/16

السؤال:

السلام عليكم شيخنا

دخلت لموقعكم هذا عن طريق الصدفة وبصراحة لا أذكر بالضبط ما كنت قد أتيت أبحث عنه لكن المهم أني وصلت ها هنا

سؤالي قرأت ردا على سؤال وجه لكم عن حديث ما معناه (إنْ قلّ الخير في اليمن فقال عليه الصلاة والسلام اذهبوا إلى الشام وإنْ نفذ في الشام قال اذهبوا إلى اليمن …. ال)

بعد ذلك قرأت من ضمن ردكم حديث يعطي للشام مكانة أرى فيها تلاعبا

فالشام موطن كلّ رذيلة بدء من الروم والمسيحيين الأوائل الذين خربوا الدين المسيحي وموطن الصهيونية وليس اليهودية وموطن نشوء الحركة الماسونية والحال كما ترى يا شيخ مجون وطرب ولهو 28 ساعة باليوم

ثم ألا ترى أنّ عدم استقرار العراق خلق مجتمعا صدقني وعن تجربة من أطهر المجتمعات العربية.

ما أريد أنْ أقوله إنّ هناك تلاعبا في كتب التاريخ تريد أن تعلي من شأن الشام التي هي منبت كلّ شر.

وبين العراق وهو قلعة الإسلام وبين اليمن وهو جرثومة العرب الأولى.

 الاسم: سارية السبعاوي

 

الرد:

أسال الله المناّن جلّ جلاله أنْ يكون دخولك إلى هذا الموقع المبارك فاتحةَ خيرٍ لك وسببا لانطلاقك الروحي والعقلي، أمّا بالنسبة إلى ما ذكرته فيجب التنبه إلى الملاحظات الآتية:

1- إنّ فضل بعض البلدان والأمصار ثابت بالقرآن والسنة الصحيحة، كما أنّه وردت أحاديث موضوعة أو ضعيفة في الثناء على بعض الأمصار، لكنْ علماء الحديث قد فحصوها وبينوا صحيحها مِنْ موضوعها فمثلا حديث أنّه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو نفذ الخير بالجزيرة أين نذهب يا رسول الله؟ قال: اذهبوا إلى اليمن، قالوا: لو نفذ الخير باليمن أين نذهب؟ قال: اذهبوا إلى الشام، قالوا: إن نفذ الخير بالشام أين نذهب؟ قال: اذهبوا إلى العراق، قالوا: إن نفذ الخير بالعراق أين نذهب؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ فيه خيراً لن ينفذ إلى يوم الدين. وهو منتشر على صفحات الأنترنت لكِنْ لا يوجد في كتب السنّة.

2- دعوى أنّ هنالك تلاعبا في كتب التاريخ فيها تجنيا على علمائنا رضي الله تعالى عنهم وعنكم الذين قاموا بتمحيص الروايات وتبيين الغث مِنَ السمين بكلّ أمانة وصدق بمنهج منضبط ما عرفت الدنيا مثله، لأنّ لفظة التلاعب تدل بمعناها على سوء نية واتباع الهوى لأجل أغراض معينة وحاشا علمائنا رضي الله تعالى عنهم وعنكم من ذلك، وإنْ كنت وفقك الله عزّ وجلّ لكل خير غير قاصد لذلك فنحن نظنّ فيك حسن الأدب والحرص على الدين وأهله، لكن على المؤمن أن يكون مراقبا لنفسه وأقواله وأفعاله، كما أنّه على المسلم الواعي أنْ يكون على معرفة بمواطن القبول والرد في مثل هذه المسائل أو يسأل أهل الخبرة والاختصاص.

وهذا لا يعني أنّ بعض هذه الكتب قد سلمت من تحريف الأشرار، ولكنّ هذا لا يسمح لنا بأنْ نقول: إنّ مَنْ ألّفوا هذه الكتب هم الذين تلاعبوا فيها، إلا إذا قامت بيّنة قاطعة على مؤلف، فتصحّ إدانته من غير تعميم.

3- إنّ ما ورد في الكتاب العزيز أو السنّة الشريفة من النصوص التي فيها تفضيل بعض الأماكن أو الأقوام على بعض، لا يعني تفضيلا لكلّ مَن انتسب إلى ذلك المكان أو لأولئك الأقوام على غيرهم مِنَ البشر، وكذلك ما ورد مَنْ ذم بعض الأماكن، وذكر ما فيها من الشرّ، فلا يعني ذلك ذم وانتقاص جميع مَنْ ينتمي إلى ذلك المكان لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات/13].

وقَالَ سيّدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) الإمام مسلم رحمه الله سبحانه.

فميزان الصلاح والفساد هو القلب والعمل، وليس القبيلة أو العِرْق أو الجنس أو اللون، روى الإمام مالك رحمه ربّنا تعالى في الموطأ (أنّ أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي أنّ هَلُمَّ إلى الأرض المقدسة – يعني بلاد الشام -، فكتب إليه سلمان: إنّ الأرض لا تقدّس أحدا، وإنّما يُقدِّسُ الإنسانَ عملُهُ)

يقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى (وهو كما قال سلمان الفارسى، فإنّ مكة حرسها الله تعالى أشرف البقاع، وقد كانت فى غربة الإسلام دار كفر وحرب يحرم المقام بها، وحرم بعد الهجرة أنْ يرجع إليها المهاجرون فيقيموا بها، وقد كانت الشام فى زمن موسى عليه السلام قبل خروجه ببني إسرائيل دار الصابئة المشركين الجبابرة الفاسقين، وفيها قال تعالى لبنى إسرائيل {سأريكم دار الفاسقين} [الاعراف/145]، فإنّ كون الأرض دار كفر أو دار إسلام أو إيمان، أو دار سلم أو حرب، أو دار طاعة أو معصية، أو دار المؤمنين أو الفاسقين، أوصافٌ عارضةٌ لا لازمة، فقد تنتقل مِنْ وصف إلى وصف، كما ينتقل الرجل بنفسه مِنَ الكفر إلى الإيمان والعلم، وكذلك بالعكس وأمّا الفضيلة الدائمة فى كل وقت ومكان ففي الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى {إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم} [البقرة /62]، وقال تعالى {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين * بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه} البقرة /111، وقال تعالى {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم} [ النساء/125 ]، فلا ينبغي للرجل أنْ يلتفت إلى فضل البقعة فى فضل أهلها مطلقا، بل يعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ولكنّ العبرة بفضل الإنسان فى إيمانه وعمله الصالح والكلم الطيب وإذا فضلت جملة على جملة لم يستلزم ذلك تفضيل الأفراد على الأفراد: كتفضيل القرن الثاني على الثالث، وتفضيل العرب على ما سواهم، وتفضيل قريش على ما سواهم، فهذا هذا والله أعلم) مجموع الفتاوى.

4- الاحاديث التي ذكرت في فضل الشام أحاديث صحيحة منها ما ورد عن سيّدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ قال (بينا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به فأتبعته بصري، فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام) الإمام أحمد رحمه الله جل وعلا، وعن سيّدنا عبد الله بن حوالة رضي الله تعالى عنه أنّ حبيبنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ قال (رأيت ليلة أسري بي عموداً أبيض كأنه لواء تحمله الملائكة فقلت ما تحملون؟ قالوا: عمود الكتاب أمرنا أن نضعه بالشام قال: وبينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب اختلس من تحت وسادتي فظننت أنّ الله تخلى عن أهل الأرض فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع حتى وضع بالشام) الإمام الطبراني رحمه الله سبحانه، وهذا الحديث حسّن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى إسناده، ونحن يجب أنْ نكون على ثقةٍ بالنصوص النبوية الشريفة فهذا مِن صريح الإيمان، وأرض الشام سمّاها الله جلّ وعلا بالأرض المباركة قال سبحانه {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء علييهم السلام/71]، وسمّاها الأرض المقدّسة {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة} [المائدة/ ٢١]، فهل ما ذكرته ينفي عنها هذه الصفة، فنشوء الحركات الهدّامة والأفكار المنحرفة عن المنهج القويم لا ينفي ما ذكرَتْه النصوصُ الشرعية.

5- التأويل وارد في بعض الأحاديث، فمثلا ورد عن خير الأنام صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ قال (أتاكم أهل اليمن هم أرقّ أفئدة وألين قلوباً، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم) متفق عليه.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى (وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِهِ: فَقِيلَ مَعْنَاهُ نِسْبَة الْإِيمَان إِلَى مَكَّة لِأَنَّ مَبْدَأَهُ مِنْهَا، وَمَكَّة يَمَانِيَّة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَدِينَة، وَقِيلَ: الْمُرَاد نِسْبَة الْإِيمَان إِلَى مَكَّة وَالْمَدِينَة وَهُمَا يَمَانِيَّتَانِ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّامِ، بِنَاء عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَة صَدَرَتْ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حِينَئِذٍ بِتَبُوك، وَيُؤَيِّده قَوْله فِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم” وَالْإِيمَان فِي أَهْل الْحِجَاز”، وَقِيلَ الْمُرَاد بِذَلِكَ الْأَنْصَار لِأَنَّ أَصْلهمْ مِنْ الْيَمَن، وَنُسِبَ الْإِيمَان إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا الْأَصْل فِي نَصْر الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَى جَمِيع ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَة فِي” غَرِيب الْحَدِيث” لَهُ وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الصَّلَاح بِأَنَّهُ لَا مَانِع مِنْ إِجْرَاء الْكَلَام عَلَى ظَاهِره، وَأَنَّ الْمُرَاد تَفْضِيل أَهْل الْيَمَن عَلَى غَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْمَشْرِق، وَالسَّبَب فِي ذَلِكَ إِذْعَانهمْ إِلَى الْإِيمَان مِنْ غَيْر كَبِير مَشَقَّة عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ أَهْل الْمَشْرِق وَغَيْرهمْ، وَمَنْ اِتَّصَفَ بِشَيْءٍ وَقَوِيَ قِيَامه بِهِ نُسِبَ إِلَيْهِ، إِشْعَارًا بِكَمَالِ حَاله فِيهِ، وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ نَفْي الْإِيمَان عَنْ غَيْرهمْ، وَفِي أَلْفَاظه أَيْضًا مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَقْوَامًا بِأَعْيَانِهِمْ فَأَشَارَ إِلَى مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ لَا إِلَى بَلَد مُعَيَّن، لِقَوْلِهِ فِي بَعْض طُرُقه فِي الصَّحِيح” أَتَاكُمْ أَهْل الْيَمَن هُمْ أَلْيَن قُلُوبًا وَأَرَقّ أَفْئِدَة الْإِيمَان يَمَان وَالْحِكْمَة يَمَانِيَة، وَرَأْس الْكُفْر قِبَل الْمَشْرِق وَلَا مَانِع مِنْ إِجْرَاء الْكَلَام عَلَى ظَاهِره وَحَمْل أَهْل الْيَمَن عَلَى حَقِيقَته ثُمَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ الْمَوْجُود مِنْهُمْ حِينَئِذٍ لَا كُلّ أَهْل الْيَمَن فِي كُلّ زَمَان، فَإِنَّ اللَّفْظ لَا يَقْتَضِيه قَالَ: وَالْمُرَاد بِالْفِقْهِ الْفَهْم فِي الدِّين، وَالْمُرَاد بِالْحِكْمَةِ الْعِلْم الْمُشْتَمِل عَلَى الْمَعْرِفَة بِاَللَّهِ)

رزقنا الله سبحانه وإيّاكم فهم نصوص الشرع الحنيف وشغلنا وإياّكم بذكره الشريف إنّه هو الخبير اللطيف، وصلى الله ذو الجلال والإكرام على مَنْ أصبحنا به خير أمّة للأنام سيّدنا محمد الذي كشف الله عزّ وجلّ به عن الأكوان الظلام وعلى آله وصحبه حملة لواء الإسلام.

والله تعالى شأنه أعلم.