2014/04/03

السؤال:

السلام عليكم يا شيخ ورحمة الله وبركاته. سؤالي: هل الدعاء يغيّر القدر؟ وهذا محور قصتي: أنا طالبة جامعية وأحببت شخصًا وأؤمن بالأخلاق والابتعاد عمّا يغضب الله لذلك من سنة أدعو الله أنْ يصلحه ويرزقني إيّاه زوجًا صالحًا وكان دعائي بكلّ صلاة وحتّى عند الإفطار في رمضان بكلّ وقت لدرجة تعوّدت على ذلك ولا يمكنني التوقف عن الدعاء

ولكن ألاحظ أنّ هذا الأمر يبعد عنّي أكثر ممّا يقرب على الرغم من سنة هو سأل عن أخلاقي بدافع أنْ يخطبني لكنّه إلى الآن لم يفعل.

وعندها قلت لنفسي قد يكون شرّا لي وقرّرت الموافقة على شخص تقدّم لي وحدث ذلك وعلى أساس يتمّ لكن بليلتها حدثت أشياء عجيبة أدّت إلى أنْ يغيّر أهلي رأيهم ويُرفض الخاطب وأنا حائرة أتوقف عن الدعاء أم أنّه سوف يكون قنوطا من رحمة الله! أو أستمر وقد يتعلّق قلبي بما ليس لي فيكون الناتج عذابا عظيما! أصبحت القضية بالنسبة لي ليست أمنية بل أمر بيني وبين الله واختبار ولا أعرف أين طريق النجاح وشكرا لك وأعتذر للإطالة.

 

الاسم الكامل: الطيبة

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

بارك الله سبحانه فيكم ورزقنا وإيّاكم دوام الاتباع للشرع الحنيف.

الدعاء لا يخرج عن قدر الله جلّ في علاه، بل هو مِنْ قدر الله عزّ وجلّ، فالله جلّ وعلا يقدّر الأشياء على أسباب يقدّرها أيضًا، فكما قدّر سبحانه الشبع على الأكل، كذلك قدّر حصول الرزق بالدعاء، فكلٌّ مِنْ حصول الرزق والدعاء مِنْ قدر الله عزّ شأنه ولا تعارض بينه وبين القدر، بل هو مِنْ تقدير الله سبحانه، وقد قال حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلّم:-

(لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ) الإمام أحمد رحمه الله عزّ وجلّ.

وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(لَا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإِنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) الإمام الحاكم رحمه الله جلّ ذكره.

قال الإمام الغزالي رحمه الربُّ العليّ:-

(فَإِنْ قِيْلَ: مَا فَائِدَةُ الدُّعَاءِ مَعَ أَنَّ القَضَاءَ لَا مَرَدَّ لَهُ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ القَضَاءِ رَدَّ البَلَاءِ بِالدُّعَاءِ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ سَبَبُ رَدِّ البَلَاءِ، وَوُجُوْد الرَّحْمَةِ، كَمَا أَنَّ البَذْرَ سَبَبٌ لِخُرُوْجِ النَّبَاتِ مْنَ الأَرْضِ، وَكَمَا أَنَّ التُّرْسَ يَدْفَعُ السَّهْمَ، كَذَلِكَ الدُّعَاءُ يَرُدُّ البَلَاءَ) إحياء علوم الدين (1/328) بتصرّف يسير.

ولا شك في إجابة الدعاء، دلّ على ذلك ما ورد عن سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه سلّم أنّه قال:-

(مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ) الإمام أحمد رحمه الله جلّ وعلا.

والله تبارك في علاه علم قبل خلق السموات والأرض أنّك سوف تدعينه جلّ جلاله وتسألينه هذا الشخص بعينه، فإن استجاب لدعائك فسوف يكون من نصيبك، وإذا كان ليس في زواجك منه نفع بالنسبة له أو لك صرفه عنكِ؛ لأنّ الله جلّت حكمته راعَى مصالح العباد في شرعه، والناس قد يقدّمون أشياء على أشياء، ويؤخرون أشياء عن أشياء، وقد تكون هناك بعض الأولويات التي يظنون أنّها في صالحهم في حين أنّها تضرّهم، ومن هنا جاء الشرع الشريف لضبط سلوك الناس وتحديد مصالحهم ومنافعهم، وهذه المصلحة قد تغيب عنّا، وقد نظنّ أنّ الخير في أمر معيّن، كما قال الله تعالى:-

{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون} [سورة البقرة: 216].

والزواج قدر مِنَ الأقدار، ورزق من الأرزاق، وقد فعلتِ ما عليكِ مِنِ التوجّه إلى الله تبارك اسمه العالِم بما ينفع العباد وما يضرّهم، وبيده مقاليد السموات والأرض، ولا أرى دوام الانسياق وراء الموضوع بعد هذا، وسلّمي الأمر إلى مدبّر الأمر سبحانه، واحمديه جلّ في علاه على أنّ هذا الأمر كان سببًا للوقوف ببابه جلّ ثناؤه، وعلى المسلم أنْ يفهم رسائل الله تعالى إليه ففي كلّ محنة منحة.

أسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وبجاه حبيبه المصطفى صلّى الله تعالى وسلّم وبارك عليه وآله وأصحابه أهل الصدق والوفا أنْ يرزقك وبنات المسلمين الزوج الصالح إنّه سميع مجيب.

والله عزّ وجلّ أعلم.

وصلّى الله تعالى العظيم على حضرة النبيّ الكريم، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الخُلُقِ القويم.