2014/04/08

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته / نفع الله تعالى بكم المسلمين وأيدكم بالتمكين ورزقكم جوار خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم في الدنيا وفي عليين آمين / سيّدي هل طول القراءة في الصلاة الجهرية ورد عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقد صَلَّيْتَ في أحد المساجد أكثر من مرة وقرأ الامام في صلاة المغرب ما يقارب الصفحتين فما الحكم في ذلك؟ علما أني أريد أنْ أعرف الحكم فقط لا أن أحاجج به الإمام وَبَارك الله تعالى فيكم.

 

الاسم: أبو عبد الكريم

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله عزّ وجلّ على دعواتك الطيبة كلّ خير، وشكر لك أدبك الجميل، وفهمك اللطيف في معرفة العلم للنفع الخاص والعام لا للجدال والخصام، وهذا تمسّك بهدايات قول خير الأنام سيّدنا محمد عليه من الله تعالى وعلى آله وصحبه الكرام أفضل صلاة وسلام (مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى، ولا بأس بالنصيحة الطيّبة في إطار الحكمة والرفق الجميل لقول الرحمة المهداة صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ) الإمام مُسلم رحمه الله تعالى .

أما بخصوص سؤالك المبارك فلا شكّ أنّ التخفيف سِمة أصيلة بارزة في دّيننا الحنيف؛ لقول الرحمة المهداة صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، ويظهر هذا التخفيف والتيسير في الصلاة على نحو عام، وفي صلاة المغرب على نحو خاص؛ لأنّ وقت المغرب وقت انتهاء الصيام، وانتهى يوم طويل من العمل، ويتأمل المصلي بعده أنْ يعود إلى أهله وبيته، فالصحيح عدم الإطالة في الصلاة مطلقا، فعن سيّدنا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ الصَّلَاةَ فَقَرَأَ بِهِمْ الْبَقَرَةَ قَالَ فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا فَقَالَ إِنَّهُ مُنَافِقٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا وَنَسْقِي بِنَوَاضِحِنَا وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِنَا الْبَارِحَةَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ فَتَجَوَّزْتُ فَزَعَمَ أَنِّي مُنَافِقٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ ثَلَاثًا اقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَنَحْوَهَا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه، وفي رواية أخرى (أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلَانًا يُطِيلُ بِنَا الصَّلَاةَ حَتَّى إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضَبًا مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ فِيكُمْ مُنَفِّرِينَ فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ بِهِمْ الصَّلَاةَ فَإِنَّ وَرَاءَهُ الْكَبِيرَ وَالْمَرِيضَ وَذَا الْحَاجَةِ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وفي رواية الإمام أبي داود رحمه الغفور الودود أنّ الصلاة كانت صلاة المغرب، فالتخفيف فيها سُنّة الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام؛ فعن سليمان بن يسار أنه سمع أبا هريرة رضي الله تعالى عنهما يقول (ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان، أمير كان بالمدينة، قال سليمان: فصليت أنا وراءه، فكان يطيل في الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسط المفصل، وفي الصبح بطوال المفصل) الإمام ابن حبان رحمه الرحيم الرحمن، وطوال المفصل كسورة الحجرات، القمر، الرحمن, وأوساطه كسورتيّ الشمس، والليل, وقصاره كسورتيّ العصر، والإخلاص.

وعن (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِنَحْوِ مَا تَقْرَءُونَ وَالْعَادِيَاتِ وَنَحْوِهَا مِنْ السُّوَرِ) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى، وقال الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه (وَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْ
مِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ كَنَحْوِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ يَقْرَأُ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ)
، وهذا ما تعارف عليه أهل العراق على نحو خاص، وعليه (يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بِهِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ هُوَ قِصَارُ الْمُفَصَّلِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى) شرح معاني الآثار، وقال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم بقراءة قصار المفصل في صلاة المغرب (لِأَنَّ مَبْنَى الْمَغْرِبِ عَلَى الْعَجَلَةِ وَالتَّخْفِيفُ) البحر الرائق شرح كنز الدقائق.

وأرى والله جلّ وعلا أعلم أنّ تطويل القراءة لا بأس به على أنْ لا تكون سُنّة متبعة بل تراعى فيها الظروف والأحوال، إذ مقدار القراءة في الصلاة تختلف فيه وجهات نظر الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم وهذا ما يعرفه المختصون من أهل العلم.

وينبغي مراعاة سنّة التخفيف على نحو آكد في الجوامع التي تكون في طريق الناس فحكمها يختلف عن الجوامع التي تكون في وسط القرية أو الحي السكني؛ لمظنة وجود المسافر وصاحب الحاجة، وأخيرا أدعو لأئمة الصلاة جزاهم الله تعالى كلّ خير بما دعا به إمام الأئمة وشفيع الأمّة وكاشف الغمة سيّدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بقوله الشريف (اللَّهُمَّ أَرْشِدْ الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى، اللهمّ اجعل للائمة نصيبا مِنْ هذا الدعاء العظيم، واجعلهم مِنَ الراشدين المهديين الذين يأخذون بقلوب الناس إلى رحاب هذا الدّين الكريم بالرحمة والرفق واللين برحمتك يا أرحم الراحمين.

والله تعالى أعلم.