2014/04/11

السؤال:-

السلام عليكم سيّدي ورحمة الله تعالى وبركاته، وأدامكم وأيّدكم ورزقكم جوار الحبيب صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم في الدنيا والآخرة آمين/ سيّدي رزقني الله تعالى الحجّ مع والدتي وخدمتها في الطواف بالعربة. فقال لي أحدهم إنّه لا يحسب لي طواف لأنّي أُطَوّفُ والدتي ويجب أنْ أطوف لوحدي بعد إنهاء طواف والدتي فهل هذا الكلام صحيح؟ علمًا أنّ كلانا نطوف طواف الإفاضة والوداع في وقته، وجزاكم الله تعالى كلّ خير.

 

الاسم: مصطفى

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله عزّ وجلّ خيرًا على دعواتك الطيّبة وأدعو لجنابك الكريم بمثلها.

قَال الله جلّ ذكره:-

{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة التغابن: 16].

وقال جلّ جلاله وعمّ نواله:-

{— وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [سورة الحج: 29].

وقال حضرة إمام الحجيج سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ —) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.

بارك الله سبحانه فيك على خدمتك لوالدتك وهنيئًا لك هذا الشرف العظيم بإعانتها على أداء فريضة الحج.

لا خلاف بين العلماء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم أنّ المشي في الطواف مـع القدرة عليه هو الأفضل والأوْلى لأنّ هذا هو الغالب من حال حضرة النـبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، سواء كان ذلك في عُمرة أم حجّ، ولا خلاف بينهم أنّ العاجز عن المشي أو المحتاج للركوب بسبب مرض أو نحوه، أنْ يطوف راكبًا أو محمولًا ولا شيء عليه؛ لأنّ حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام طاف للإفاضة راكبًا على بعيرهِ، فقد روى سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما:-

(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ) متفق عليه.

وعن السيّدة أُمِّ سلمة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت:-

(شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ: وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ) متفق عليه.

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله عزّ وجلّ:-

(لَا نَعْلَمُ بَـيْنَ أَهْلِ العِلْمِ خِلَافًا فِي صِحَّةِ طَوَافِ الرَّاكِبِ إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ — وَالمَحْمُوْلُ كَالرَّاكِبِ فِيْمَا ذَكَرْنَاهُ) المغني (3/358).

وتعددت آراؤهم في حكم المشي في الطواف لغير العاجز والمحتاج إلى أقوال:-

الأوّل:- إنّ المشي مـع القدرة عليه شرط لصحّـة الطواف، فمنْ طاف راكبًا أو محمولًا لغير عذر، فطوافه غـير صحيح، ولا يعتدّ به وإلى هذا ذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى في المشهور.

الثاني: إنّ المشي مع القدرة عليه واجب، وليس شرطًا لصحّة الطواف، فمَنْ طاف راكبًا أو محمولًا لغير عـذر، فعليه الإعادة ما دام بمكة، فإنْ تعذّرت عليه الإعادة جبره بدم، وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله سبحانه، والإمام مالك رحمه الله عزّ وجلّ في المشهور عنه.

الثالث: إنّ المشي سُنّة، وليس بواجب، فلو طاف راكبًا أو محمولًا لغير عذر أجزأه ولا شيء عليه وإلى هذا ذهب الإمام الشافعي رحمه الله جلّ وعلا.

فإذا كان الشخص عاجزًا عن المشي في الطواف، وركب العربة ودفعها شخص آخر يطوف، فطوافهما معًا صحيح ولا يُطالب أيّ واحد منهما بالإعادة، وقد أشار السادة الشافعية رحمهم الله جلّ وعلا إلى أنّه لو دفعه أو جذبه صحّ طوافه، قال الإمام الرملي رحمه الله تبارك اسمه:-

(وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ حَمَلَ مَا لَوْ جَعَلَهُ فِي شَيْءٍ مُوضَعٍ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ سَفِينَةٍ وَجَذَبَهُ فَيَقَعُ لِلْحَامِلِ وَالْمَحْمُولِ مُطْلَقًا، إذْ لَا تَعَلُّقَ لِطَوَافِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِطَوَافِ الْآخَرِ لِانْفِصَالِهِ عَنْهُ) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (3/290).

أمّا إذا كان غير عاجز فهو على الخلاف السابق في حكم المشي في الطواف.

بقيت مسألة: إذا حمله في الطواف فقد تعددت آراء العلماء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم إلى أقوال:-

الأول: يصحّ الطواف عن الحامل والمحمول جميعًا إذا نوياه، بأنْ ينـوي الحـامل عن نفسه، والمحمول عنْ نفسه إنْ كـان كبيرًا، أو نواه الحامل عن نفسه وعن طفله المحمول، وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفـة رحمه الله تعالى، والإمام مـالك رحمه ربّنا جلّ شأنه في روايـة، والإمام الشافعي رحمه الله تقدّس اسمه في قول.

الثاني: إنْ نوى الطواف كلّ مِنَ الحامل والمحمول عن نفسيهما فالطواف طواف الحامل، وإلى هذا ذهب الإمام الشافعي رحمه الله تبارك وتعالى في الأصح.

الثالث: إنْ نوياه عن نفسيهما، فالطواف للمحمول دون الحامل، وإلى هذا ذهب الإمام مالك رحمه الله سبحانه في رواية، والإمام الشافعي رحمه ربنا جلّ ثناؤه في قول، والإمام أحمد رحمه الله تقدّست ذاته في رواية وهي الصحيحة مِن المذهب.

الرابع: أنّه لا يجزئ عن واحد منهما وإلى هذا ذهب الإمام مالك رحمه ربّنا سبحانه في الرواية المشهورة.

والذي أختاره:-

أنّ الحامل والمحمول إذا نوى كلّ واحد منهما الطواف عـن نفسه، وقـع عنهما جميعًا فصحَّ، ولا خلاف أنّه لو قاد الدابّة أو دفع العربة التي يركبها أنّ الطواف يصحّ منهما، مع أنّ طواف الراكب كان بمعونة السائق أو الدافع فلا فرق أنْ تكون الإعانة بالدفع أو الحمل، لكن الأولى بالمسلم أنْ يخرج مِن الخلاف بقدر الاستطاعة ولا موجب للحمل إذا كان بغير عذر، وليغتنم هذه الخطوات المباركات في سبيل الله جلّت صفاته، فإنْ فعل فلا مجال للإنكار عليه لأنّه لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وكيف يُنكَر عليه وقد قال بما فعله أئمة معتبرون رحمهم الله تعالى وجزاهم خير الجزاء.

والله سبحانه أعلم.

وصلّى الله تعالى على خير مَنْ طاف بالكعبة سيّدنا محمّد الذي نال أعلى مراتب القربة وحاز أرقى رُتبة وعلى آله وصحبه الذين أدّوا حقّ الصحبة.