2014/04/15

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف حالكم سيّدي حضرة الشيخ؟ كم أنا مشتاق لرؤيتكم وتقبيل يدكم… سؤالي هو.. هل هنالك عوائق تمنع من السلوك؟ وكيف يتم التخلص منها؟ راجيا منك الدعاء.

 

الاسم: يوسف

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرك كثيرا على مشاعرك الطيّبة وسؤالك الكريم عنّي، وأسأل الله جلّ جلاله وعمّ نواله أنْ تكون وجميع المسلمين بخير، ويجمعنا دائما على طاعته ومحبته، إنّه سبحانه وليّ ذلك والقادر عليه.

إنّ السلوك بَيْعَة بين المرشد (الشيخ المربي) والمسترشد (المريد أو السالك) وهو سبب لإنارة بصيرة المريد والسموّ بهمّته حتى لا يبقى له تعلق إلا بالله تعالى ولا يكون له اعتماد إلا عليه، والتخلّص من رعونات النفس كالجهل والغرور ودواعي الهوى، وهذا الأمر يحتاج إلى صحبة المشايخ الكمّل والاقتداء بهم والاهتداء بهديهم، وقد أمر الله عزّ وجلّ بذلك في آيات كثيرة من كتابه العزيز منها قوله سبحانه:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [سورة التوبة: 119].

وقوله تبارك اسمه:-

{وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} [سورة سيّدنا لقمان عليه السلام: 15].

قال الإمام زروق رحمه الله جلّ في علاه:-

(وَالإِنَابَةُ لَا تَكُوْنُ إِلَّا بِعِلْمٍ وَاضِحٍ وَعَمَلٍ صَحِيْحٍ وَحَالٍ ثَابِتٍ لَا يَنْقُضُهُ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ).

ومهام الشيخ المرشد رضي الله تعالى عنه مع السالك كثيرة منها:-

توجيهه وتقديم النصيحة له وإمداده بالروح لترقيته بعد التخلص من أمراض القلوب التي حذّرت نصوص الشرع الشريف منها، قال عزّ من قائل:-

{وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} [سورة الأنعام: 120].

وقال حضرة نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ وعلا.

وقال:-

(مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ شأنه.

أي أنّ الحرص المذموم على المال والشرف (أي الذي يؤدي بالمرء إلى التقصير في جنب الله تبارك وتعالى وحقوق العباد، والمراد بالشرف طلب المناصب والوجاهة بدون استحقاق) يفسدان دين المرء أكثر من إفساد الذئبين الجائعين إذا أرسلا في قطيع من الغنم.

وحكم التخلص من هذه الأمراض واجب لما يترتب على وجودها من حرمان دخول الجنة، لذا فإنّ السلوك على يد المرشد واجب أيضا للقاعدة المعروفة المشهورة عند العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

(مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ)

فعلى المسلم أنْ يبادر إلى ذلك مستنيرا بهدايات هذه الآيات الكريمات ومثيلاتها:-

{— فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 159].

{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 108].

{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [سورة البينة: 5].

قال الإمام الذهبي رحمه الله عزّ وجلّ:-

(السُّلُوْكُ الكَامِلُ هُوَ الوَرَعُ فِي القُوْتِ، وَالوَرَعُ فِي المَنْطِقِ، وَحِفْظُ اللِّسَانِ، وَمُلاَزَمَةُ الذِّكْرِ، وَتَرْكُ مُخَالَطَةِ العَامَّةِ، وَالبُكَاءُ عَلَى الخَطِيْئَةِ، وَالتِّلاَوَةُ بِالتَّرْتِيْلِ وَالتَّدَبُّرِ، وَمَقْتُ النَّفْسِ وَذَمُّهَا فِي ذَاتِ اللهِ، وَالإِكْثَارُ مِنَ الصَّوْمِ المَشْرُوْعِ، وَدَوَامُ التَّهَجُّدِ، وَالتَّوَاضُعُ لِلْمُسْلِمِيْنَ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَالسَّمَاحَةُ، وَكَثْرَةُ البِشْرِ، وَالإِنْفَاقُ مَعَ الخَصَاصَةِ، وَقَوْلُ الحَقِّ المُرِّ بِرِفْقٍ وَتُؤَدَةٍ، وَالأَمْرُ بِالعُرْفِ، وَالأَخْذُ بِالعَفْوِ، وَالإِعْرَاضُ عَنِ الجَاهِلِيْنَ، وَالرِّبَاطُ بِالثَّغْرِ، وَجِهَادُ العَدُوِّ، وَحَجُّ البَيْتِ، وتناول الطيبات فِي الأَحَايِيْنِ، وَكَثْرَةُ الاسْتِغْفَارِ فِي السَّحَرِ، فَهَذِهِ شَمَائِلُ الأَوْلِيَاءِ، وَصِفَاتُ المُحَمَّدِيِّيْنَ أَمَاتَنَا اللهُ عَلَى مَحَبَّتِهِم) سير أعلام النبلاء (9/476).

 

ولما كان إبليس اللعين وجنوده قد توعّدوا بصدّ العباد عن سبيل الله تعالى منذ النشأة الأولى للإنسان كما أخبر الواحد الديّان سبحانه إذ قال:-

{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [سورة الأعراف: 12 – 17].

فشياطين الإنس والجنّ يسعون لصدّ كلّ مَنْ يسعى لسلوك هذا المنهج الراقي الذي أكّدت عليه النصوص الشريفة، ولمعرفته أرجو مراجعة الصفحات (54 – وما بعدها) من كتابي (الرابطة القلبية) المنشور على هذا الموقع المبارك في قسم أبحاث ودراسات.

وكذلك النفس الأمّارة بالسوء، قال جلّ وعلا:-

{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 53].

وقال:-

{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [سورة النازعات: 40 -41].

وقال سبحانه أيضا:-

{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [سورة الشمس: 7 – 10].

قال الإمام البوصيري رحمه الله تعالى:-

وَخَالِفِ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ وَاعْصِهِمَـا *** وَإنْ هُمَا مَحَّضَاكَ النُّصْحَ فَاتَّهِـمِ

وَلَا تُـطِـعْ مِنْهُمَا خَصْمًـا وَلَا حَكَـمًـا *** فَأَنْتَ تَعْرِفُ كَيْدَ الخَصْمِ والحَكَمِ

 

وقد يكون الجهل بما في السلوك من الخير والبركة سببا يحول دون التشرّف به.

وقد أحسن مَن قال:-

إِنِّـي بُـلِـيْـتُ بَـأَرْبَـعٍ مَـا سُـلِّـطَــتْ *** إِلَّا لِأَجْــلِ شَقَـاوَتِي وَعَنَـائِــي

إِبْلِيْسُ وَالدُّنْيَا وَنَــفْـسِـي وَالـهَـوَى *** كَيْفَ الخَلَاصُ وَكُلُّهُمْ أَعْدَائِي؟

وَأَرَى الهَوَى تَدْعُوْ إِلَيْهِ خَوَاطِرِي *** فِـي ظُـلْـمَـةِ الشُّبُـهَاتِ وَالآرَاءِ

وَزُخْرُفُ الدُّنْـيَـا تَـــقُوْلُ أَمَـا تَرَى *** حُسْنِي وَفَخْرَ مَلَابِسِي وَبَهَائِي؟

إِبْلِيْسُ يَسْلُكُ فِــي طَـرِيْقِ مَهَالِكِي *** وَالنَّـفْـسُ تَـأْمُـرُنِـي بِكُـلِّ بَلَاءِ

وَجُنُوْدُهُ حَاطُوْا بِحَـــوْلِ مَدِيْنَتِــي *** يَا عُدَّتِي فِـي شِـدَّتِـي وَرَجَائِي

وَأَنْشَدَ آخر:

إِنِّـي بُـلِيَتْ بِـــأَرْبَعٍ يَـرْمـِينَنِي *** بِالنَّبْلِ قَدْ نَصَبُوا عَلَيَّ شِرَاكَــا

إِبْلِيسُ وَالدُّنْيَا وَنَفْسِي وَالْـهَوَى *** مِنْ أَيْنَ أَرْجُو بَيْنَهُنَّ فِكَـــاكَــا

يَـــا رَبُّ سَـاعِدْنِـي بِعَفْوٍ إِنَّـنِي *** أَصْبَحْتُ لَا أَرْجُوْ لَهُنَّ سِوَاكَـا

 

وأرجو مراجعة قسم الذكر والتزكية والسلوك في هذا الموقع المبارك لا سيما أجوبة الأسئلة المرقمة (11، 117، 203) في هذا الموقع الكريم.

أسأل الله ربّ العالمين بجاه حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه المكرمين أنْ يوفق جميع المسلمين للسلوك على يد أحد حضرات السادة المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم أجمعين برحمته إنّه سبحانه أرحم الراحمين.

والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.

وصلِّ اللهمَّ وسلّم وبارك على حضرة خير الأنام، ومصباح الظلام، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه الكرام.