2014/04/22
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فضيلة الشيخ سؤالي الأوّل عن صحتك إن شاء الله تكون بتمام الصحة والعافية.
فضيلة الشيخ أريد أنْ أسأل عن أصول القراءة بعد الفاتحة في الصلاة، يعني هل من الضروري أن نراعي تسلسل السور في الصلاة؟ مثلا: هل يجوز أنْ نقرأ في الركعة الأولى سورة الإخلاص وفي الركعة الثانية سورة العصر؟ أو أنْ نقرأ في الركعة الأولى آية من نهاية القرآن الكريم وفي الثانية نقرأ آية من بداية القرآن الكريم؟ وكذلك هل يجوز أنْ نقرأ في الركعة الأولى سورة وفي الثانية نقرأ آية أو بالعكس؟ وكذلك هل يجوز أنْ نقرأ في الركعة الأولى آية أو سورة قصيرة وفي الركعة الثانية آية أو سورة طويلة؟ وهل يجوز أنْ نقرأ سورتين أو أكثر في الركعة الواحدة؟ أرجو الإجابة على أسئلتي وأعتذر عن الإطالة ولكن الصلاة أهم ركن في الإسلام فيجب علينا أنْ نعرف كلّ صغيرة وكبيرة فيها. وبارك الله فيكم جميعا وشكرا.
الاسم: محمد رشيد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، شكرا جزيلا على حُسن تواصلكم مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتكم الصادقة، أنا بفضل الله تعالى بخير وعافية، وأسال الله عزّ وجلّ لكم وللجميع دوام العافية في الدّين والدنيا والآخرة.
وبعد: فالصلاة ركن عظيم من أركان ديننا الحنيف، قال الله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [سورة البينة/الآية5] ، وقال أفضل من صلى وصام سيّدنا محمد على حضرته من الله تعالى أتمّ صلاة وسلام وعلى آله وصحبه الكرام (أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يُسْأَلُ عَنْ صَلَاتِهِ، فَإِنْ تُقُبِّلَتْ مِنْهُ تُقُبِّلَ مِنْهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ رُدَّ عَلَيْهِ سَائِرُ عَمَلِهِ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى، وينبغي على المسلم أنْ يقتدي بالنبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم في أمره كله، وفي مقدمة ذلك الصلاة؛ قال عزّ من قائل {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[سورة الأحزاب/الآية21]، وقال الرحمة المهداة على حضرته من الله تعالى أفضل الصلوات والتحيات وعلى آله وصحبه ذوي الفضائل والمكرمات (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وإليك أجوبة الأسئلة التي سألت عنها:
أولا: قراءة السور في الصلاة على خلاف ترتيب المصحف الشريف يُسمى تنكيس القراءة وهي خلاف الأولى، والأفضل الالتزام بالترتيب في القراءة، فلا يُقرأ في الركعة الأولى بسورة أو آيات من سورة ثمّ يُقرأ في الركعة الثانية بسورة أو آيات من سورة أخرى قبل التي قرأ منها في الركعة الأولى على وفق النُظم والترتيب الموجود بين أيدينا حاليا، فإنْ فعل فصلاته صحيحة، ولا يصح أنْ يفعل هذا متعمدا أو دائما، قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم (وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ بَعْدَ السُّورَةِ الَّتِي قَرَأَهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فِي النَّظْمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَنْكُوسًا؟ قَالَ: ذَلِكَ مَنْكُوسُ الْقَلْبِ؛ وَفَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَنْ يَقْرَأَ سُورَةً، ثُمَّ يَقْرَأَبَعْدَهَا أُخْرَى، هِيَ قَبْلَهَا فِي النَّظْمِ. فَإِنْ قَرَأَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ أَحْمَدُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لَا بَأْسَ بِهِ ، أَلَيْسَ يُعَلَّمُ الصَّبِيُّ عَلَى هَذَا؟ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ الْبَقَرَةِ إلَى أَسْفَلَ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْأَحْنَفَ قَرَأَ بِالْكَهْفِ فِي الْأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ. وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ الصُّبْحَ بِهِمَا، اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ) المغني للإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله تعالى.
ثانيا: منْ السُّنّة المُشرّفة صلى الله تعالى وسلم على صاحبها وآله وصحبه أجمعين أنْ تكون الركعة الأولى أطول من الثانية، فعن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ رضي الله تعالى عنهم أجمعين قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، ولقد ذكر العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم بعض الحكمة من ذلك فقالوا (كَانَ اَلسَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّشَاطَ فِي الْأُولَى يَكُونُ أَكْثَر فَنَاسَبَ التَّخْفِيفُ فِي الثَّانِيَةِ حَذَرًا مِنْ الْمَلَلِ …. إِنِّي لَأُحِبّ أَنْ يُطَوِّلَ الْإِمَام الرَّكْعَة الْأُولَى مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَكْثُرَ النَّاسُ) فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، فإنْ فعل خلاف ذلك فلا بأس به أيضا والصلاة صحيحة، ولكنها خلاف الأوْلَى.
ثالثا: إذا التزم المُصلي لنفسه أو الإمام بما ذُكر في أعلاه فلا بأس أنْ يقرأ في الركعة الأولى بآية، وفي الركعة الثانية بسورة، ذاك أنّ بعض الآيات طويلة هي بقدر سورة قصيرة أو أكثر، إلا أنّ مراعاة الترتيب أولى كما ذكرت، يُضاف إلى ذلك مراعاة وحدة الموضوع الذي تتحدث عنه الآيات المباركات، فليست الغاية القراءة فقط، إنما الإفادة ممّا نتلو ونسمع من آي الذكر الحكيم حتى يتفاعل الناس مع ما يسمعوا من الآيات وتحصل الثمرة المرادة من ذلك؛ قال الله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [سورة الأنفال/الآية5].
رابعا: يجوز أنْ يقرأ المُصلي لنفسه أو الإمام سورتين أو أكثر في الركعة على أنْ يُراعي الترتيب وعدم الإطالة إذا كان إماما لِمَا رواه سيّدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ (كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى فَإِمَّا تَقْرَأُ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ فَلَمَّا أَتَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: يَا فُلَانُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا، فَقَالَ: حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، واللهَ تعالى أسأل أنْ يفقهنا جميعا في دّيننا إنه ولي ذلك والقادر عليه، ولمزيد فائدة فيما يتعلق بالصلاة وأحكامها أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (13، 245، 278، 356، 411، 660، 673، 694، 1812) في هذا الموقع المبارك.
والله تعالى أعلم.