2014/04/25

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كيف حالكم سيدي نسأل الله تعالى لكم دوام الصحة والعافية.. سيّدي سؤالي هو:-

ما هي الآداب التي على السالكين أنْ يلتزموا بها؟

راجيا منك الدعاء.

 

الاسم: يوسف

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكر سؤالكم عني، وأسأله جلّ وعلا أنْ يعمنا برحمة من عنده، ويشملنا بعفوه وعافيته، ويكرمنا بذكره وقربه، ويجعلنا متحلين بمكارم الأخلاق التي يرضى بها عنا، إنّه سبحانه سميع مجيب.

فممّا لا شكّ فيه أنّ طالب العلم والسالك والملتزم بمنهج خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين يجب عليهم الالتزام بالآداب والأخلاق الفاضلة التي تعكس حقائق العلم الذي تعلموه، والذكر الذي داوموه، والشيخ الذي لازموه، فبالآداب والأخلاق ينال العبد رفيع الدرجات عند رب الأرض والسموات، ولما كانت المقامات العليا والدرجات المثلى لا تحصل ولا تُنال إلّا بالمواظبة على الذكر والأدب الجمّ الذي يتحلّى به طالبه ظاهراً وباطناً، فإنّه يجب عليه واجبات منها:-

1- أنْ يكون مخلصاً لله تعالى في كلّ عمل وفعل، فلا يداخله مراء أو رياء، قال عزّ من قائل:-

{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [سورة البينة: 5].

 

2- أنْ يقف عند حدود الله سبحانه ولا يتعداها، قال جلّ وعلا:-

{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [سورة النساء: 13 – 14].

3- أنْ يكون ناصحاً للمسلمين جميعاً، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

 

4- أنْ يكون مستسلمًا لأحكام وتشريعات الله تبارك اسمه ورسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام فلا يقدّم رأيه على النصوص الشرعية التوجيهية الواردة عن الله عزّ وجلّ ورسوله المبجّل عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكُمّل؛ لقوله سبحانه:-

{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [سورة النساء: 65].

وقوله:-

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [سورة الأحزاب: 36].

وقال جلّ جلاله:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة الحجرات: 1].

 

5- وعليه أنْ يوقر مشايخه وعلماء المسلمين جميعاً، ويجلهم، ويدعو لهم بالرحمة والمغفرة، وأنْ يجزيهم عن المسلمين خير الجزاء، وأنْ يحسن الظنّ بهم، ولا يطعن فيهم، قال عزّ شأنه:-

{— يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [سورة المجادلة: 11].

وعليه بالتواضع لهم وإجلالهم وتقديرهم، قال صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.

 

6- ملازمة مشايخه للاستفادة من هديهم وسمتهم، ليكون مقتدياً بهم في أخلاقهم، متشبهاً بهم في أفعالهم، لينشأ عليها ويجتنب ما يخالفها، والنبيّ صلّى الله تعالى وسلّم على ذاته وصفاته وآله وصحابته قال:-

(مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) الإمام أبو داود رحمه الله عزّ وجلّ.

 

7- التأدب في الجلوس بين يدي شيخه، وحسن الإصغاء إليه، والصبر على ما قد يصدر عن شيخه من جفوة وشدة في بعض الأحيان، ثمّ ليكن شيخك محلّ إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف، فخذ بمجامع الأدب مع شيخك في جلوسك معه، والتحدث إليه، وحسن السؤال والاستماع، وترك التطاول والمماراة أمامه، وعدم التقدم عليه بكلام أو مسير أو إكثار الكلام عنده، أو مداخلته في حديثه ودرسه بكلام منك، أو الإلحاح عليه في جواب، متجنباً الإكثار من السؤال لا سيما مع شهود الملأ؛ فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل، ولا تناديه باسمه مجرداً، أو مع لقبه بل قل: “يا شيخي، أو يا شيخنا”.

 

8- أنْ يتواضع لإخوانه، ولا يتكبر عليهم أو يتعالى عليهم، وأن يحب لهم من الخير كما يحبه لنفسه، وأنْ لا يكثر المزاح معهم، أو يسخر بأحد منهم، أو يحسد واحداً منهم.

 

9- وعلى السالك أنْ يعمل ورده ويطيع ربه، حتى لا يكون ممن قال الله سبحانه وتعالى فيهم:-

{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا —} [سورة الجمعة: 5].

وأنْ يلتزم الأدب في نفسه، ويتعلمه من شيخه، يقول الإمام مالك رحمه الله سبحانه وإياكم:-

(كَانَتْ أُمِّي تُعَمِّمُنِي، وَتَقُوْلُ لِي: اذْهَبْ إِلَى رَبِيْعَةَ فَتَعَلَّم مِنْ أَدَبِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ).

ويقول عبد الله بن المبارك رحمه ورحمنا الله تعالى:-

(كَانُوْا يَطْلُبُوْنَ الأَدَبَ ثُمَّ العِلْمَ).

ويقول أيضا:

(كَادَ الأَدَب يَكُوْنُ ثُلُثَي العِلْمِ).

 

10- وممّا ينبغي أنْ يهتم به اختيار الصاحب الصالح حتى يعينه على تحصيل مقاصده، ويساعده على تكميل فوائده، وينشطه على زيادة الطلب، ويخفف عنه الضجر والنصب، ممن هو موثوق بدينه وأمانته ومكارم أخلاقه، ويكون ناصحاً لله جلّ في علاه غير لاعب ولا لاه، وإيّاه وقرين السوء؛ فإنّ الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبّه بعضهم ببعض، فاحذر معاشرة من كان كذلك.

ولمعرفة المزيد من هذه الآداب أنصح بقراءة كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للشيخ ابن جماعة، والجزء الأوّل من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، والصفحات (63 – 69) من كتاب حقائق عن التصوف للشيخ عبد القادر عيسى رحمهم الله عزّ وجلّ.

والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.