2014/04/28
السؤال:
السلام عليكم سيّدي الحبيب حضرة الشيخ سعد الله عارف البرزنجي حفظكم الله تعالى وحماكم قرة عيني نسمع ونقرأ حكم وأمثال عن فضيلة الصمت منها:- إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، ولكن جربت الصمت فوجدته كما وصفه الواصفون وذر لي بعض الإخوة عنه أنك لماذا هكذا لا تجامل ومتضايق ولا تتكلم فأحسست أن بعض الناس لا يفهمون معاني الصمت ويفسرونه بغير تفسيره سيّدي الحبيب كيف يوازن الإنسان بين الصمت والكلام في تعاملاته اليومية سواء مع أهله وزوجته وصديق والناس من حوله، وجزاكم الله تعالى خير الجزاء.
الاسم: سعد
الرد:
وعليْكُم السلامُ ورحمةُ اللهِ تعَالى وبركاتُهُ أسْألُ اللهَ الغفُورَ الرَّحِيمَ سبْحانَهُ وتعَالى أنْ يَحْفَظَكُم وجَمِيعَ المُسْلمِينَ وبعد.
قالَ ربُّنا واهِبُ العَطايَا والمِنَن جَلَّ جَلالَهُ وعمَّ نَوالَهُ {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114]، ويقُولُ سبْحَانَهُ وتعَالى {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].
وقال سيّدنا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وصَحْبِهِ وَسَلَّمَ (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) الإمَامَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ الباري سبحانه.
قالَ ابْنُ عبْدِ البرِّ رَحِمَهُ اللهُ تعَالى في التمهيد (وفي هذا الحديث آدابٌ وسُننٌ، منْها التأكِيدُ في لَزُومِ الصَمْتِ، وقولُ الخيْرِ أفْضَلُ مِنَ الصَمْتِ؛ لأنَّ قولَ الخيْرِ غَنِيمَةٌ، والسُكُوتُ سَلامَةٌ، والغَنِيمَةُ أفْضَلُ مِنَ السَلامَةِ).
وقالَ الإمَامُ النَّوَوِي رَحِمَهُ اللهُ سبحانه في شرحِ الحديثِ (وَأَمَّا قَوْلُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَإِنْ كَانَ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ خَيْرًا مُحَقَّقًا يُثَابُ عَلَيْهِ، وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا فَلْيَتَكَلَّمْ. وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَنَّهُ خَيْرٌ يُثَابُ عَلَيْهِ، فَلْيُمْسِكْ عَنِ الْكَلَامِ سَوَاءٌ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ مَنْدُوبًا إِلَى الْإِمْسَاكِ عَنْهُ مَخَافَةً مِنِ انْجِرَارِهِ إِلَى الْمُحَرَّمِ أَوِ الْمَكْرُوهِ. وَهَذَا يَقَعُ فِي الْعَادَةِ كَثِيرًا أَوْ غَالِبًا).
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وصَحْبِهِ وَسَلَّمَ (كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ، إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.
إنّ الشرع الشريف قد حثَّ على الصَمْتِ ورغَّبَ فِيهِ؛ لأنَّهُ يحْفظُ الإنْسانَ مِنَ الوقُوعِ في آفاتِ اللسانِ ومُنْكرات الأقْوال، ويَسْلمُ بهِ مِنَ الاعْتذارِ للآخَرِينَ.
ويدلكَ على فضْلِ لِزُومِ الصَمْتِ أمْرٌ، وهو أنَّ الكلامَ أرْبعةُ أقْسَامٍ:
قسمٌ هو ضررٌ محْضٌ، وقسمٌ هو نفْعٌ محْضٌ، وقسمٌ فيهِ ضررٌ ومنْفعةٌ، وقسمٌ ليس فيهِ ضررٌ ولا منْفعةٌ.
أمَّا الذي هو ضررٌ محْضٌ كتتبُعِ عوراتِ النَّاسِ والغيبة والنميمة… إلخ فلا بُدَّ مِنْ السُكُوتِ عنْهُ وإنكاره .
وأمَّا ما تساوَتْ فيهِ المنْفعةُ والمضرَّةُ أيضاً السُكُوتُ عنْهُ لازمٌ، وبيانُ حكمِهِ مُحتَمٌ، لأنَّ القاعدةَ الشرعِيةَ تقولُ (دفعُ المضارِّ مُقدَّمٌ على جلبِ المنافِعِ).
وأمَّا ما لا منْفعة فيه ولا ضررٌ فهو فضولٌ والاشتغالُ به تضييعُ زمانٍ وهو عينُ الخسران.
فلا يبقى إلا القسم الرابع وهو ما تحققتْ فيه المنفعة، فقد سقطَ ثلاثةُ أرباعِ الكلامِ وبقيَّ ربعٌ، وهذا الربعُ فيه خطرٌ، إذ يمتزِجُ بما فيهِ إثْمٌ مِنْ دقائقِ الرياءِ والتصنعِ والغيبةِ وتزكيةِ النَّفسِ وفضولِ الكلامِ امتزاجًا يخف
ى دركُهُ، فيكون الإنْسانُ به مخاطرًا ومَنْ عرفَ دقائقَ آفاتِ اللسانِ… عَلِمَ قطعًا، أنَّ ما ذكرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وصَحْبِهِ وَسَلَّمَ هو فصلُ الخطابِ حيثُ قال (مَنْ صَمَتَ نَجَا) الإمامُ الترمذيُّ رحمهُ اللهُ تعالى، وأكّده بأبي وأمّي ونفسي هو عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام بفعله، فعَنْ سِمَاكٍ رَحِمَهُ الله تَعَالَى قَالَ: (قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَكَانَ طَوِيلَ الصَّمْتِ، قَلِيلَ الضَّحِكِ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَذْكُرُونَ عِنْدَهُ الشِّعْرَ، وَأَشْيَاءَ مِنْ أُمُورِهِمْ، فَيَضْحَكُونَ، وَرُبَّمَا تَبَسَّمَ) الإمام أحمد رحمه الله عزّ وجلّ.
قال الإمامُ الغزاليّ رحمهُ اللهُ تعَالى في إحياءِ علومُ الدينِ (مَنْ تأمل جميع آفات اللسان علم أنَّهُ إذا أطلق لسانه لم يسلمْ، وعند ذلك يعرفُ سرَ قولِه صلى الله عليهِ وسلّم (مَنْ صَمَتَ نَجَا) لأنَّ هذه الآفاتِ كلِّها مهالكٌ ومعاطبٌ، وهي على طريق المتكلِّم، فإنْ سكتَ سلمَ مِنْ الكلِّ، وإنْ نطقَ وتكلَّمَ خاطرَ بنفسِهِ، إلا أنْ يوافقَهُ لسانٌ فصيحٌ، وعلمٌ غزيرٌ، وورعٌ حافظٌ، ومراقبةٌ لازمةٌ، ويقللُ مِنْ الكلامِ؛ فعساهُ يسلمُ عندَ ذلك، وهو مع جميعِ ذلكَ لا ينفكَّ عنْ الخطرِ، فإنْ كنتَ لا تقدرُ على أنْ تكونَ مِمَنْ تكلَّمَ فغنمَ، فكنْ مِمَنْ سكتَ فسلمَ، فالسلامةُ إحدى الغنيمتينِ).
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران عليهم السلام : 8].
واللهُ سبْحَانَهُ وتعَالى أعْلَمُ.