2014/04/29
السؤال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته…
حضرة شيخنا ومربينا لكم منّي أرق تحية وسلام وأحنّ شوق وأعذب كلام..
أسأل الله تعالى أنْ تكونوا بخير وعافية دائما أبدًا.
سؤالي حضرة شيخنا عن الأرواح بعد مفارقة الأبدان إذا تجرّدت بأيّ شيء يتميّز بعضها عن بعض حتى تتعارف وتتلاقى؟
وهل تشكل إذا تجرّدت بشكل بدنها الذي كانت فيه وتلبس صورته أم كيف يكون حالها؟
وجزاكم الله تعالى عنا كلّ خير وصلِّ اللهمّ على سيّدنا وحبيبنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.
الاسم: عبد الحكيم العاني
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على دعواتكم الصادقة، وحُسن تواصلكم مع هذا الموقع المبارك، وقبل الإجابة عن السؤال أودّ أنْ ألفت عناية جنابكم الكريم إلى ضرورة الاهتمام بالمسائل العملية المهمة في حياتنا العملية والعلمية، التي تثمر فعلا ينفع صاحبه ويتعدى لغيره، وينبغي ترك الأسئلة التي لا طائل من ورائها متمسكين بذلك بهدايات القرآن الكريم، فقد قال الله عزّ وجلّ في معرض التساؤل عن عدد أصحاب الكهف:-
{سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [سورة الكهف: 22].
أمّا بخصوص سؤالك:-
فعالم الأرواح عالم غيبي كبير، والحديث عنه إنّما يكون على وفق ما وَرَدَ في الشرع الشريف الذي أدّبنا بالوقوف عند حدودنا في العلم فقال عزّ من قائل:-
{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [سورة الإسراء: 36].
فعالم البرزخ ـ وهو العالم المتوسّط بين عالمي الدنيا والآخرة ـ من أمور الغيب التي يجب على المسلم فيها التسليم دون السؤال عن الكيفية، فلا يعلم أحد كمال كيفيتها وكنهها إلا الله تعالى، ولقد علمنا جلّ جلاله وعمّ نواله بعض علوم ذلك العالم الكبير بما أنزله في كتابه العظيم، وما علّمه نبيّه الكريم على حضرته من الله تعالى أفضل صلاة وتسليم وآله وصحبه أجمعين، وممّا جاء في كتاب الله تعالى واصفا خروج الروح عند الموت، وما ينتظرها منْ جزاء ، قوله الكريم:-
{فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [سورة الواقعة: 83 ـ 96].
ولقد حوت كتب السُنّة المشرّفة أحاديث صحيحة تصف الأرواح، وبعض أحوالها، منها قول الحبيب سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وقال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(إنَّ الْأَرْوَاح خُلِقَتْ قَبْل الْأَجْسَام، وَكَانَتْ تَلْتَقِي فَتَتَشَاءَم، فَلَمَّا حَلَّتْ بِالْأَجْسَامِ تَعَارَفَتْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّل فَصَارَ تَعَارُفهَا وَتَنَاكُرهَا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْعَهْد الْمُتَقَدِّم) فتح الباري (6/369).
وكذا ما رواه سيّدنا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رضي الله تعالى عنه قَال:-
(خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ وَكَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ، قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ – يَعْنِي بِهَا – عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى، قَالَ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي، قَالَ: وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمْ الْمُسُوحُ فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ، قَالَ: فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا ثُمَّ قَرَأَ{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}، فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ فَيَقُولُ رَبِّ لَا تُقِمْ السَّاعَةَ) الإمام أحمد رحمه الله عزّ شأنه.
وفي الحديث الشريف دلالات كثيرة منها:-
أنّ الروح يُصعد بها إلى السماء ثمّ تعود إلى الجسد مرّة أخرى، وأنّ للروح اتصالا ما بالبدن بعد الموت، على نحو ما، لا يعلم كماله إلا الله تعالى، وهذا ليس بغريب؛ فقد وصف الله جلّ في علاه اتصال الروح بالبدن أثناء النوم، وهو أخو الموت بقوله عزّ وجلّ:-
{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الزمر: 42].
وأنّ أرواح البشر تتباين كما تباينوا بالأجساد والعقول؛ فقال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(الْأَرْوَاح وَإِنْ اِتَّفَقَتْ فِي كَوْنهَا أَرْوَاحًا لَكِنَّهَا تَتَمَايَز بِأُمُورٍ مُخْتَلِفَة تَتَنَوَّع بِهَا) فتح الباري (6/370).
وقالوا في وصف بعض أحوالها:-
(فَالرُّوحُ تَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ مَتَى شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَتُفَارِقُهُ مَتَى شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يتوقت ذَلِكَ بِمَرَّةِ وَلَا مَرَّتَيْنِ وَالنَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ. وَلِهَذَا {كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ: بِاسْمِك اللَّهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا} {وَكَانَ إذَا اسْتَيْقَظَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} فَقَدَ سَمَّى النَّوْمَ مَوْتًا وَالِاسْتِيقَاظَ حَيَاةً. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} فَبَيَّنَ أَنَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ عَلَى نَوْعَيْنِ: فَيَتَوَفَّاهَا حِينَ الْمَوْتِ وَيَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ بِالنَّوْمِ ثُمَّ إذَا نَامُوا فَمَنْ مَاتَ فِي مَنَامِهِ أَمْسَكَ نَفْسَهُ وَمَنْ لَمْ يَمُتْ أَرْسَلَ نَفْسَهُ. وَلِهَذَا {كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ قَالَ: بِاسْمِك رَبِّي وَضَعْت جَنْبِي وَبِك أَرْفَعُهُ فَإِنْ أَمْسَكْت نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَك الصَّالِحِينَ}. وَالنَّائِمُ يَحْصُلُ لَهُ فِي مَنَامِهِ لَذَّةٌ وَأَلَمٌ وَذَلِكَ يَحْصُلُ لِلرُّوحِ وَالْبَدَنِ حَتَّى إنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ فِي مَنَامِهِ مَنْ يَضْرِبُهُ؛ فَيُصْبِحُ وَالْوَجَعُ فِي بَدَنِهِ وَيَرَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ أُطْعِمَ شَيْئًا طَيِّبًا فَيُصْبِحُ وَطَعْمُهُ فِي فَمِهِ وَهَذَا مَوْجُودٌ. فَإِذَا كَانَ النَّائِمُ يَحْصُلُ لِرُوحِهِ وَبَدَنِهِ مِنْ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ مَا يُحِسُّ بِهِ – وَاَلَّذِي إلَى جَنْبِهِ لَا يُحِسُّ بِهِ – حَتَّى قَدْ يَصِيحُ النَّائِمُ مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ؛ أَوْ الْفَزَعِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ وَيَسْمَعُ الْيَقْظَانُ صِيَاحَهُ وَقَدْ يَتَكَلَّمُ إمَّا بِقُرْآنِ وَإِمَّا بِذِكْرِ وَإِمَّا بِجَوَابِ. وَالْيَقْظَانُ يَسْمَعُ ذَلِكَ وَهُوَ نَائِمٌ عَيْنُهُ مُغْمَضَةٌ وَلَوْ خُوطِبَ لَمْ يَسْمَعْ فَكَيْفَ يُنْكَرُ حَالُ الْمَقْبُورِ الَّذِي أَخْبَرَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ؟ وَقَالَ {مَا أَنْتُمْ أَسْمَعُ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ}. وَالْقَلْبُ يُشْبِهُ الْقَبْرَ؛ وَلِهَذَا {قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا} وَفِي لَفْظٍ {قُلُوبَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا} وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ {بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} وَهَذَا تَقْرِيبٌ وَتَقْرِيرٌ لِإِمْكَانِ ذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: ذَلِكَ الَّذِي يَجِدُهُ الْمَيِّتُ مِنْ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ – مِثْلَمَا – يَجِدُهُ النَّائِمُ فِي مَنَامِهِ؛ بَلْ ذَلِكَ النَّعِيمُ وَالْعَذَابُ أَكْمَلُ وَأَبْلَغُ وَأَتَمُّ. وَهُوَ نَعِيمٌ حَقِيقِيٌّ وَعَذَابٌ حَقِيقِيٌّ وَلَكِنْ يَذْكُرُ هَذَا الْمَثَلَ لِبَيَانِ إمْكَانِ ذَلِكَ إذَا قَالَ السَّائِلُ: الْمَيِّتُ لَا يَتَحَرَّكُ فِي قَبْرِهِ وَالتُّرَابُ لَا يَتَغَيَّرُ وَنَحْوَ ذَلِكَ) مجموع الفتاوى (4/276).
وعندما يموت ابن آدم تفارق روحه جسده، وتبقى في عالم البرزخ، وهو عالم روحاني كما ذُكر آنفا، لا يقاس ما فيه على عالم الدنيا المادي، فلا تحكمه قوانين الزمان والمكان والمادة، بل هو عالم آخر له أحواله التي نجهلها، لكن جاء في الشرع الشريف من ذلك أخبار تصف بعض تلك الأحوال، فعلينا الإيمان بذلك والتسليم التام، فذاك صفة المؤمن، قال سبحانه:-
{ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [سورة البقرة: 1 ـ 3].
ومجموع الأخبار النبوية الشريفة في هذا الباب، تدلّ على أنّ مستقر الأرواح يختلف، فالأرواح متفاوتة أعظم التفاوت، منها أرواح في أعلى عليّين وهي أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومنها أرواح تسرح في الجنّة وهي أرواح الشهداء، ومنها أرواح معلّقة في شجر الجنّة، وهي أرواح بعض المؤمنين، ومنها أرواح محبوسة في القبر، لكن يأتيها من روح الجنّة وريحها وطيبها، ومنها أرواح محبوسة في قبرها تعذّب، ومن هذه أرواح تعرض على جهنّم غدوًّا وعشيًّا كأرواح آل فرعون، ومَنْ على شاكلتهم، فالأرواح مستقرها ليس واحدا، بل هي متفاوتة، فالروح التي كانت علوية في الدنيا، مشتغلة بمحبة الله تعالى وطاعته، يكون لها ما يناسبها من حياة البرزخ، والروح التي كانت سفلية مشتغلة بالشهوات، يكون لها في البرزخ مستقر يناسب ما كانت عليه من السفول والعذاب، غير أنّ جميع الأرواح بعد الموت تكون محبوسة في عالم البرزخ، لا يمكنها أنْ تعود إلى الدنيا، كما قال تعالى:-
{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [سورة المؤمنون: 100].
وقد بسط القول في ذلك الشيخ ابن القيم رحمه الله جلّ وعلا في كتابه القيم “الروح” بما يُغني، وممّا قاله رحمه الله جلّ وعلا:-
(أين مستقر الأرواح ما بين الموت إلى القيامة هل هي في السماء أم في الأرض وهل هي في الجنّة أم لا وهل تودع في أجساد غير أجسادها التي كانت فيها فتنعم وتعذب فيها أم تكون مجردة؟ وهي مسألة عظيمة قد تكلم فيها الناس واختلفوا، وهي إنّما تتلقى من السمع فقط، وحاصل ما اعتمده من الجواب بعد أنْ ذكر مذاهب الناس في ذلك وأطال نحو كراسين أنّ الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى عليين، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم كما رآهم النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم في ليلة الإسراء. ومنها في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء لا جميعهم كما قد يتوهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدَيْن عليه أو غيره كما في المسند عن محمد بن جحش أنّ رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله ما لي إنْ قتلت في سبيل الله؟ قال الجنة، فلما ولى قال: إلا الدَّيْن، سارني به جبرائيل آنفا.
ومنهم مَنْ يكون محبوسا على باب الجنة كما في الحديث الآخر ”رأيت صاحبكم محبوسا على باب الجنة”. ومنهم مَن يكون محبوسا في قبره، ومنهم مَنْ يكون محبوسا في الأرض لم تعل روحه إلى الملأ الأعلى، فإنّها كانت روحا سفلية أرضية، فإنّ الأنفس الأرضية لا تجامع الأنفس السماوية كما لا تجامعها في الدنيا معرفة ربها ومحبته وذكره والأنس به والتقرّب إليه، بل هي أرضية سفلية لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلّا هناك، كما في النفس العلوية التي كانت في الدنيا عاكفة على محبة الله وذكره والتقرّب إليه والأنس به تكون بعد المفارقة في الأرواح المناسبة لها، فالمرء مع مَنْ أحبّ في البرزخ ويوم المعاد، فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها وإخوانها وأصحاب عملها فتكون معهم هناك، وفي الحديث “وتجعل روحه -يعني المؤمن- مع النسيم الطيّب” أي الأرواح الطيبة المشاكلة لروحه. ومنها أروح تكون في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة، فليس للأرواح سعيدها وشقيها مستقر واحد، بل روح في أعلى عليين وروح أرضية سفلية، وإذا تأملت السنن والآثار في هذا الباب وكان لك فضل اعتناء عرفت حجة ذلك، ولا تظن أنّ بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تناقضا، فإنها كلها حق يصدق بعضها بعضا، لكن الشأن في فهمها ومعرفة النفس وأحكامها وأنّ لها شأنا غير شأن البدن، وأنّها مع كونها في الجنة فهي في السماء وتتصل بالقبر وبالبدن فيه، وهي أسرع شيء حركة وانتقالا، وصعودا وهبوطا، وأنها تنقسم إلى مرسلة ومحبوسة وعلوية وسفلية، ولها بعد المفارقة صحة ومرض، ولذة ونعيم، وألم أعظم ممّا كان لها في حال اتصالها بالبدن بكثير، فهنالك الحبس والألم والعذاب والمرض والحسرة، وهنالك اللذة والراحة والنعيم والإطلاق، وما أشبه حالها في هذا البدن الجنين في بطن أمّه وحالها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذا الدار) كتاب الروح ص116.
وأخيرا فالذي تشهد له طرق الاعتبار وتنطق به الآيات والأخبار أنّ الموت معناه تغيّر حال فقط، وأنّ الروح باقية بعد مفارقة الجسد إمّا معذبة وإمّا منعمة، ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرّفها في الجسد بخروج الجسد عن طاعتها، فإنّ الأعضاء آلات الروح تستعملها حتى إنّها لتُعطي باليد وتسمع بالأذن وتبصر بالعين، وتعلم حقيقة الأشياء بالقلب، والروح تعلم الأشياء بنفسها من غير آلة؛ ولذلك قد تتألم بنفسها بأنواع الحزن والغمّ والكمد وتتنعم بأنواع الفرح والسرور، وكلّ ذلك لا يتعلق بالأعضاء، فكلّ ما هو وصف للروح بنفسها فيبقى معها بعد مفارقة الجسد، وما هو لها بواسطة الأعضاء فيتعطل بموت الجسد إلى أنْ تعاد الروح إلى الجسد، وقد تعاد الروح إلى الجسد في القبر، أو تؤخر إلى يوم البعث، والله أعلم بما حكم به على كل عبد من عباده، ولمزيد فائدة راجع كتاب الروح.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.