2014/05/08
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أمّا بعد:
فتحية طيبة مباركة مني لكم أجمعين وصلِّ اللهمّ على سيّد المرسلين سيّدنا المصطفى العدنان وعلى آله وصحبه ومَنْ تبعه ومَنْ ولاه إلى يوم الدين.
سيّدي وشيخنا العزيز إذا استطاع المرء حفظ فرجه وغض بصره عن المنكرات وهو لا يملك الفرص المتاحة للزواج، فهل يستطيع أن يبقى أعزبا؟
جزاكم الله خيرا.. وبارك الله فينا وفيكم
راجين منكم الدعاء
وصلِّ اللهمّ على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَنْ والاه
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الاسم: Abd albari
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وأسأل الله عزّ وجلّ بمنّه وكرمة أنْ ييسّر عليك وعلى كلّ شباب المسلمين وبناتهم سبل الزواج وحسن الاختيار، برحمته إنّه سبحانه العزيز الغفار، ويحصنهم جميعا من الخطأ والانحراف، ومن سهام إبليس وكيده، وفتن الحرام وشرّه.
الزواج سنّة من سنن حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، وقد جعله الله جلّ وعلا سببا للسكينة والألفة والراحة والتكاثر وبقاء النوع الإنساني، فقال عزّ من قائل:-
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم: 21].
وروى سيّدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:-
(جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَتَزَوَّجُوا، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ، وَمَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَنْكِحْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ شأنه.
أمّا مَنْ لَم يستطع الزواج بسبب الحالة المالية أو الصحية أو لم يجد مَنْ تنفعه فعليه بالاستعفاف، قال جلّ في علاه:-
{وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ —} [سورة النور: 33].
أي يحاول العفاف ويطلبه ويبحث عن أسبابه، يجاهد أنْ يكون عفيفا، وأوّل أسباب العفاف أنْ يغضّ بصره حين يرى، فلا يوجد له مهيج ومثير، فإنْ وجد في نفسه فتوّة وقوّة فعليه أنْ يلجمها ويضعفها بالوسائل الشرعية كما قال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) الإمام البخاري رحمه الله سبحانه.
ويقصد بالاستطاعة: المالية، والبدنية، وكذلك الارتقاء الفكري في إنشاء وبناء الأسرة المسلمة والجيل الصالح في المجتمع.
وبناءً على ذلك فإنّ الزواج مندوب، كما أنّ غض البصر وتحصين الفرج واجب شرعي آخر قال تعالى:-
{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة النور: 30 – 31].
والفعل الواحد قد تعتريه الأحكام الشرعية الخمسة:-
(الواجب، المندوب، المباح، المكروه، الحرام)
كلها أو بعضها بحسب ما يلابسه، فمثلا: الزواج:-
(قَدْ يَكُوْنُ فَرْضًا عَلَى المُسْلِمِ إِذَا قَدِرَ عَلَى المَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَسَائِرِ وَاجِبَاتِ الزَّوْجِيَّةِ، وَتَيَقَّنَ مِنْ حَالِ نَفْسِهِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَزَوَّجْ زَنَى، وَيَكُوْنُ وَاجِبًا إِذَا قَدِرَ عَلَى مَا ذُكِرَ وَخَافَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَزَوَّجْ زَنَى، وَيَكُوْنُ مَنْدُوْبًا إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى وَاجِبَاتِ الزَّوْجِيَّةِ وَكَانَ فِي حَالِ اعْتِدَالٍ لَا يُخَافُ أَنْ يَزْنِي إِذَا لَمْ يَتَزَوَّجْ، وَيَكُوْنُ مُحَرِّمًا إِذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ يَظْلِمُ زَوْجَتَهُ وَلَا يَقُوْمُ بِحُقُوْقِ الزَّوْجِيَّةِ، وَيَكُوْنُ مَكْرُوْهًا تَحْرِيْمًا إِذَا خَافَ ظُلْمَهَا) علم أصول الفقه للشيخ عبد الوهاب خلاف رحمه الله جلّ وعلا.
والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.