2014/05/23
السؤال:
سيّدي حضرة الشيخ (سعد الله) السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أرجو أنْ تكونوا بصحة وعافية وجزاكم الله تعالى وجميع العاملين في هذا الموقع المبارك خير الجزاء عن أمّة حضرة سيّدنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم) حيث عمّ النفع والبركة والأنوار ولله الحمد، سيّدي قال الحق سبحانه وتعالى: {فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون}، يحتاج عوامّ المسلمين في كثير من أمور حياتهم للرجوع إلى المشايخ والعلماء الكرام في (عباداتهم ومعاملاتهم — إلخ) كما هو مبيّن ضمن أبواب هذا الموقع المبارك ونحن نسألكم وتجيبوننا وكذلك باقي المشايخ الكرام وهذه الإجابات أو الفتاوى غالبا (إنْ لم أكن مخطئا) لا تتعدى آراء الأئمة الأربعة (رضي الله تعالى عنهم وعنكم أجمعين) سيّدي سؤالي هو:-
هل المسلم العاميّ ملزم باتباع مدرسة فقهية أو مذهب بعينه من مذاهب الأئمة دون الباقين أم أنّ مذهب العامي هو مذهب مفتيه؟ ففي بعض الأحيان يتعذّر علينا الاتصال بهذا الموقع المبارك وبعض المشايخ الكرام نراهم من خلال شاشات الفضائيات حين يسألون يذكرون آراء الأئمة فقط دون ترجيح فيحتار السائل بأيّها يأخذ وإنْ تنوّع الأخذ (أي في كلّ مسألة يأخذ برأي مذهب مختلف) هل في ذلك إثم أم أنّ في الأمر سعة؟ ما هو القول الفصل في هذه المسألة؟ أرجو من حضرتكم توضيح الأمر، مع كلّ الحبّ والتوقير لأئمتنا الأعلام وعلمائنا ومشايخنا الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم أجمعين، وأسأله تعالى أنْ يحفظكم لنا ويوفقكم لما فيه نصرة ووحدة وعزة الإسلام والمسلمين ويرزقنا حسن الأدب والاتباع، وآسف على الإطالة والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
خادمكم محمد حامد.
الرد:-
وعليكُمُ السلامُ ورحمَةُ اللهِ تعَالى وبركاتُهُ.
جزاكَ اللهُ سبحانه خيرَ الجزاءِ وأسْألُهُ سبْحانَهُ أنْ يُوفِقَك وجميعَ المسلمينَ لِما يُحبُّ ويرْضَى إنّه جلَّ وعلا القائلُ:-
{— وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [سورة طه: 114].
قالَ سيِّدُ الخلقِ وحبيبُ الحقِّ صلَّى اللهُ تعَالى عليهِ وآلهِ وصحْبِهِ وسَلَّمَ:-
(مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وبعد:-
المذاهبُ الأربعةُ المَشهُورةُ هي مُحصَّلَةُ آراءِ واجتهاداتِ الأئمَّةِ: أبي حنيفةَ ومالكٍ والشَّافعيّ وأحمدَ رحمهمُ اللهُ تعالى، وهؤلاءِ الأئمَّةُ مِنْ أعلامِ المسلمين، ووجودهمْ امتدادٌ لِمَا كانَ عليه الصحابةُ الكرام رضي اللهُ تعالى عنهمْ أجمعينَ مِنَ الاجتهادِ في العلمِ والتَّدريسِ لَهُ.
وقدْ كانَ بَينَ الصَّحابةِ رضي اللهُ تعالى عنهمْ مجتهدونَ وعلماءُ، وكانَ بَينَهمْ تباينٌ في مسائلِ الاجتهادِ كما بَينَ الأئمةِ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشَّافعي وأحمدَ رضي اللهُ تعالى عنهمْ وعنْكمْ، وقدْ كانَ في عصرِ هؤلاءِ الأئمةِ رحمهمْ اللهُ سبْحانَهُ فقهاءٌ ومُجتهدونَ لا يَقلّونَ منْزِلةً عنْهمْ كالليث والأوزاعي وسفيانَ وغيرِهمْ رضي اللهُ تعالى عنهمْ وعنْكُمْ، ولكنَّ اللهَ جلّ جلاله وعمّ نواله كتبَ الانتشارَ والبقاءَ لهذهِ المذاهبِ الأربعةِ بِما هيأهُ العليمُ العلَّامُ تبارك اسمه مِنْ وجودِ التَّلاميذِ الّذينَ دَوّنُوا مسائلَهُمْ وسجّلوا آراءَهُمْ، والأئمةُ الأربعةُ المذكورونَ لمْ يُلزِموا غيرَهمْ بتقليدِهِمْ في كلِّ مسألةٍ، وإنَّما ذَكَرُوا اختيارَهُمْ وترجيحَهُمْ، ودَعوا النَّاس إلى الأخْذِ بالحقِّ متى وُجِدَ في غيرِ أقوالِهِمْ، وصدرَتْ عنْهُمُ المقُولَةُ المشْهُورَةُ:-
(إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي، إِذَا وَجَدْتُمْ قَوْلِي يُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً، فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي الْحَائِطَ).
وطالبُ العلمِ لا يَستغنيَ عَنِ الرُّجوعِ إلى ما كتبَهُ هؤلاءِ الأئمةُ رحمَهمْ الرَّحيمُ الرَّحمنُ وغيرُهمْ مِنْ أهلِ الاجتهادِ والسَّبقِ، بلْ هذا هو الطَّريقُ الصَّحيحُ لمعرفةِ الفقهِ، أنْ يَتعلَمَهُ الدَّارسُ وِفْقَ ما دوّنَهُ أهلُ مذهبٍ مِنْ هذهِ المذاهبِ دونَ تعصّبٍ لها ولا اعتقادٍ أنَّهُ مُلزِمٌ باتباعها في كلِّ مسألةٍ، فإنَّهُ لا أحدَ يتعيّنُ على النَّاسِ اتِّباعه في كلِّ ما يقولُ غيرَ نبيِّنا وحبيبِنا سيّدِنَا رسولِ اللهِ صلّى اللهُ تَعَالَى وسلّمَ عليه وآلِهِ وصحبِهِ ومَنْ والاه.
ومِنْ هنا يُعْلَمُ أنَّ الدَّعوةَ إلى إلغاءِ هذهِ المذاهبِ خطأٌ واضحٌ، وكذلكَ التَّعصبِ لها بالباطلِ، وتقديمِ آرائِها على الدليلِ الصَّحيحِ المُعتَبَرِ مِنْ قولِ رَبِّنا عزّ وجلّ وسُنَّةِ نبيِّنا عليهِ الصلاة والسلام وآله وصحبِهِ الكرام.
أمَّا لزومُ اتباعِ أحدِ المذاهبِ الأربعةِ فهذا فيهِ تفصيلٌ:-
فإنْ كانَ المُقَلِّدُ مِنَ العلماءِ الّذينَ يُميّزونَ بينَ الأدلةِ، فعليهِ أنْ يَتَّبِعَ الدَّليلَ حيثُ كانَ ويأخذَ مِنْ أقوالِ الأئمةِ أرجحَها الّذي يُؤيدُهُ الدَّليلُ، ولا يجوزُ لَهُ العدولَ عَنْهُ، قالَ مولانا جلَّ جلالُهُ وعمَّ نوالُهُ:-
{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [سورة النساء: 83].
أمّا إذا كانَ المُقَلِّدُ لا يستطيعُ التمييزَ بينَ الأدلةَ، فلَهُ أنْ يُقلِّدَ مِنَ الأئمةِ مَنْ اطمأنَتْ نفسُهُ إلى علمِهِ وورعِهِ، وهو معذورٌ في ذلكَ، لأنَّ اللهَ سبْحانَهُ قالَ:-
{— فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل: 43].
وقالوا: إنَّ العاميَّ مذهبُهُ مذهبُ مُفتيِهِ، وهذا ما قالَهُ الإمامُ ابنُ عابدينَ رحمَهُ اللهُ عزّ وجلّ:-
(قَالُوا الْعَامِّيُّ لَا مَذْهَبَ لَهُ، بَلْ مَذْهَبُهُ مَذْهَبُ مُفْتِيهِ، وَعَلَّلَهُ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ بِأَنَّ الْمَذْهَبَ إنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ لَهُ نَوْعُ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ وَبَصَرٍ بِالْمَذْهَبِ عَلَى حَسَبِهِ، أَوْ لِمَنْ قَرَأَ كِتَابًا فِي فُرُوعِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَعَرَفَ فَتَاوَى إمَامِهِ وَأَقْوَالَهُ) ردُّ المحتارِ على الدُّرِ المختار (4/80).
وجاءَ في كتابِ أحكامِ القرآنِ لابنِ العربي رحمَهُ اللهُ جلّ وعلا:-
(أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْعَامِّيِّ إذَا نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ أَنْ يَقْصِدَ أَعْلَمَ مَنْ فِي زَمَانِهِ وَبَلَدِهِ فَيَسْأَلُهُ عَنْ نَازِلَتِهِ، فَيَمْتَثِلُ فِيهَا فَتْوَاهُ، وَعَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي مَعْرِفَةِ [أَعْلَمَ] أَهْلِ وَقْتِهِ بِالْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ، حَتَّى يَتَّصِلَ لَهُ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ وَيَقَعُ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ مِنْ الْأَكْثَرِ مِنْ النَّاسِ) أحكام القرآن (2/224).
وكره بعضُ العلماءِ رضي اللهُ تعالى عنهمْ وعنكمْ التَّنقلِ مِنْ مذهبٍ إلى مذهبٍ طلباً للترخيصِ ولمْ تكنْ عندَهُ أهليةُ معرفةِ أقوالِ المذاهبِ لأنَّ هذا سيوقعُهُ في مسألةِ تقليدِ المُلفقِ، كمَنْ توضأ مثلاً ومسحَ شعراتٍ مِنْ رأسِهِ مُقلّداً للإمام لشافعي رحمَه الله تعالى وتركَ القراءةَ خلفَ الإمامِ مُقلداً للأئمةِ الثَّلاثةِ رحمَهمْ اللهُ عزّ شأنه، وقدْ أجازَ بعضُ أهلِ العلمِ رضي اللهُ تعالى عنهم وعنكم هذا النوعَ مِنَ التَّلفيقِ ولكنَّ الأحوطَ تركُهُ.
قال الشيخ مصطفى بن سعد السيوطي رحمه الباري سبحانه:-
(والذي أذهبُ إليهِ وأختارُه القولُ بجوازِ التقليدِ في التلفيقِ لا بقصدِ تتبعِ ذلكَ، لأنَّ مَنْ تتبعَ الرُّخصَ فسقَ، بلْ حيثُ وقع ذلك اتفاقاً خصوصاً مِنَ العوامِ الّذينَ لا يسعُهمْ غيرَ ذلكَ، فلو توضأ شخصٌ ومسحَ جزءاً مِنْ رأسِهِ مُقلداً للشافعي فوضوؤُهُ صحيحٌ بلا ريبٍ، فلو لمسَ ذَكرَهُ بعدَ ذلك مُقلداً لأبي حنيفة جازَ ذلك، لأنَّ وُضُوءَ هذا المُقلِدَ صحيحٌ ولمسَ الفرجِ غيرُ ناقضٍ عند أبي حنيفة فإذا قلَّدَهُ في عدم نقض ما هو صحيح عند الشافعي استمرَ الوضوءُ على حالِهِ بتقليدِه لأبي حنيفة وهذا هو فائدةُ التقليدِ) مطالبِ أولي النُّهى على شرحِ غايةِ المُنتهى في الفقهِ الحنبلي (1/391).
أمَّا مَنْ كانَ مُحِيطاً بِأُصُولِ مَذْهَبِ مُقَلِّدِهِ وَقَوَاعِدِهِ بِحَيْثُ تَكُونُ نِسْبَتُهُ إلَى مَذْهَبِهِ كَنِسْبَةِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ إلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا، فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ أنْ يختار من بين أقوال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم ما يترجّح عنده اتباعه.
قال الإمام المباركفوري رحمه الله تبارك اسمه:-
(وَقَدْ جَوَّزَ أَئِمَّتُنَا الْحَنَفِيَّةُ الْأَخْذَ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ وَلَوْ كَانَ الْأَخْذُ بَعْدَ صُدُورِ الْفِعْلِ فَاسِدًا فِي مَذْهَبِهِ، كَمَا حُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ اغْتَسَلَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَصَلَّى بِالنَّاسِ إِمَامًا بِبَغْدَادَ فَوَجَدُوا فِي الْبِئْرِ الَّذِي اغْتَسَلَ مِنْ مَائِهِ فَأْرَةً مَيِّتَةً فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: نَأْخُذُ بِقَوْلِ إِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَمَسُّكًا بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا) تحفة الأحوذي (1/176).
واللهُ جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.