2014/05/23
السؤال: السلام عليكم سيّدي ورحمة الله تعالى وبركاته وجزاكم الله تعالى كلّ خير على هذا الموقع المبارك وأدامكم للإسلام والمسلمين/ سيّدي نحن في وضع سيء جدا في العراق والحمد لله على كلّ حال وسمعت من أحد الدعاة أنه إذا جاءك مَنْ يريد قتلك فضع غطاء على رأسك وليقتلك وليبوء بإثمك من باب أنك إذا واجهته فإنّ القاتل والمقتول في النار. فهل هذا الكلام صحيح أم يدافع الإنسان على نفسه مهما كانت النتائج؟ وجزاكم الله تعالى كلّ خير.
الاسم: عبد الله آدم
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، بارك الله جلّ وعلا فيكم وحفظنا وإياكم مِنْ عواصف الفتن في أقوالنا وأفعالنا ونوايانا، إنّه سبحانه خيرٌ حافظا وهو أرحم الراحمين. فالحديث الذي ذكرته هو ما جاء عَنْ سيّدنا أَبِي ذَرٍّ رضِيَ الله تعال عنه قَالَ: (رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَأَرْدَفَنِي خَلْفَهُ – وَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ شَدِيدٌ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ مِنْ فِرَاشِكَ إِلَى مَسْجِدِكَ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: تَعَفَّفْ. قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ شَدِيدٌ يَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بِالْعَبْدِ، يَعْنِي الْقَبْرَ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: اصْبِرْ. قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يَعْنِي حَتَّى تَغْرَقَ حِجَارَةُ الزَّيْتِ مِنَ الدِّمَاءِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: اقْعُدْ فِي بَيْتِكَ، وَأَغْلِقْ عَلَيْكَ بَابَكَ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ أُتْرَكْ؟ قَالَ: فَأْتِ مَنْ أَنْتَ مِنْهُمْ، فَكُنْ فِيهِمْ. قَالَ: فَآخُذُ سِلَاحِي؟ قَالَ: إِذَنْ تُشَارِكَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ، وَلَكِنْ إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَرُوعَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ، فَأَلْقِ طَرَفَ رِدَائِكَ عَلَى وَجْهِكَ حَتَّى يَبُوءَ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ) الإمام أحمد رحمه الحق جلّ وعلا. وعن سيّدنا أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ كماله. والنهي عن القتل في الحديث الأول محمول على زمن الفتنة عند اختلاط الأمور, أمّا الحديث الثاني فمحمول على القتال مِنْ أجل الدنيا كما ورد عند الإمام البزار رحمه الربّ الغفّار تبارك اسمه أنّ حضرة النبيّ المعصوم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم قال (إذا اقْتَتَلْتُمْ عَلَى الدُّنْيَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُوْلُ فِي النَّارِ) فالحديث الأوّل مطلق، والثاني مقيّد، وفي هذه الحالة يُحمل المطلق على المقيّد كما هو مقرّر في علم أصول الفقه. أو يكون القتال على جهل واتباع هوى كما ورد عن الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام أنه قال (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ، فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) الإمام مسلم رحمه الحق جلّ ثناؤه. ويخرج مِنْ هذا الوعيد أيضا مَنْ قاتل مِنْ أجل عرضه أو ماله أو دينه، فقد (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
وهذه مسألة دفع الصائل وجواز قتله إذا لم يندفع شرّه إلا بالقتل محلّ إجماع بين الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، قال الإمام النووي رحمه ربّنا سبحانه (فيه جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق سواء كان المال قليلاً أو كثيراً لعموم الحديث. وهذا قول لجماهير العلماء.. وقال بعض أصحاب مالك لا يجوز قتله إذا طلب شيئاً يسيراً كالثوب والطعام وهذا ليس بشيء، والصواب ما قاله الجماهير، وأمّا المدافعة عن الحريم فواجبة بلا خلاف) وقال الإمام القرطبي رحمه الله عزّ وجلّ (مذهب ابن عمر والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان، وبهذا يقول عوامّ – أي عامّة – أهل العلم أنّ للرجل أنْ يقاتل عن نفسه وأهله وماله إذا أريد ظلما، للأخبار التي جاءت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يخص وقتاً دون وقت، ولا حالاً دون حال إلا السلطان, فإنّ جماعة أهل الحديث كالمجتمعين على أنّ مَنْ لم يمكنه أنْ يمنع عن نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أنّه لا يحاربه ولا يخرج عليه)
لكنْ ينبغي التنبّه إلى ما يلي:
1- التفريق بين الفتنة التي تقع بوجود دار الإسلام والفتنة التي تقع ودار الإسلام غير موجودة، فمثلا قوله عليه الصلاة والسلام (— فإن دُخِلَ -يعني على أحدٍ منكم- فليكن كخيرِ ابني آدم) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود سبحانه، فهذا بوجود دار الإسلام إذ يمكن لاثنين أو أكثر أنْ يتقاتلوا قال تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]، فما تجده مِنْ أقوال لفقهائنا رضي الله تعالى عنهم وعنكم حول وجوب الدفاع أو الاستحباب يجب أنْ يفهم على هذا التفريق وعلى ضوئه يجمع بين النصوص الشرعية وأفعال السلف رضي الله تعالى عنهم. أمّا في زمننا هذا فلا يمكن أنْ نقول لمن حوصر أو دوهم ليُقتل من قبل هؤلاء الأشرار الذين لا يعرفون لله تعالى إلّا ولا ذمّة أنْ يكون كخير ابني آدم، أو غطِّ رأسك إذا خفت من القتل، بل نقول: دافع عن نفسك فتَـقْـتُـل أفضل مِنْ أنْ تُـقْـتَـل وقد قال سيّدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (مَنْ أشار بحديدة إلى أحد من المسلمين – يريد قتله – فقد وجب دمه) الإمام أحمد رحمه الربُّ الصمد جلّ جلاله, ولأنّه كما يحرم على المصول عليه قتل نفسه يحرم عليه إباحة قتلها, لأنّه قدر على إحياء نفسه فوجب عليه فعل الدفاع، كالمضطر لأكل الميتة ونحوها.
2- تجنب الفتن قدر المستطاع بالهجرة خارج البلد أو داخله للتخلص منها أو تقليل آثارها، أو البقاء في نفس المكان لمَنْ لا يملك القدرة على الانتقال شريطة أنْ لا يشارك فيها، فمعظم الذين بقوا في أماكنهم ولم يستشرفوا للفتن حفظهم الله جلّ في علاه.
3- الأحاديث الواردة في شأن الفتن نعوذ بالله تعالى من الفتن ما ظهر منها وما بطن, لا تنزل على كل حدث حتى يُسأل العلماء العارفون الثقات الناصحون إذ أنّ تنزيل الأحداث على المسائل مِنْ اختصاص أهل البصيرة والنظر.
وصلّى الله تعالى جدّه على خير مَنْ رقى إلى السماء وعَرجَ سيّدنا مُحمّد نجاة الأمّة في أيام الفتن والهرج وعلى آله وصحبه الذين فَدَوه بالأموال والأولاد والمُهج, ما سلك سالك إلى الله تعالى وما مَلَكٌ عَرَج.
والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.