2014/05/26 السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سيّدي حضرة الشيخ سعد الله..أسعدك الله في الدارين، سؤالي هو:- كيف يترقى المسلم بنفسه وبقلبه في زمن الفتن؟ راجيا منك الدعاء.

الاسم: يوسف

 

الرد:

    وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وأسأله سبحانه أنْ يسعد الجميع بجاه البشير الشفيع صلى الله البديع وسلم عليه وآله وصحبه ذوي المقام الرفيع، ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويسلّم قلوبنا منها ومن كلّ المحن برحمته إنّه جلّ وعلا صاحب الأفضال والمنن. لقد حذّرنا ربّنا جلّ وعلا في كتابه الكريم من الفتن فقال سبحانه {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25]، وأكّد نبيّنا البشير النذير صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه نِعْمَ الأهل والعشير، هذا التحذير في أحاديث كثيرة منها:- قوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (إنّ السعيدَ لَمَن جُنِّبَ الفِتَنَ، إنَّ السعيدَ لَمَن جُنِّبَ الفِتَنَ، إن السعيدَ لَمَن جُنِّبَ الفِتَنَ، ولَمَن ابتُلِيَ فَصَبَرَ فواهاً) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود جلّ جلاله. قال الخطابي رحمه الله تعالى: واهاً، كلمة معناها التلهُّف، وقد يوضع أيضاً موضع الإعجاب بالشيء، وقيل: إنّ معناها تحسّر لمَنْ قُتِلَ وهو مظلوم، أو استطابة لحاله باعتبار مآله. وقال صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَرْبَعُ فِتَنٍ فِي آخِرِهَا الْفَنَاءُ) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى، وفي رواية أخرى قال (تَكُونُ أَرْبَعُ فِتَنٍ، الْأُولَى يُسْتَحَلُّ فِيهَا الدَّمُ، وَالثَّانِيَةُ يُسْتَحَلُّ الدَّمُ وَالْمَالُ، وَالثَّالِثَةُ يُسْتَحَلَّ فِيهَا الدَّمُ وَالْمَالُ وَالْفَرْجُ، وَالرَّابِعَةُ الدَّجَّالُ) الفتن للإمام نعيم بن حماد رحمه الله سبحانه (1/ 54). وللنجاة من الفتن أوصي بما أوصى به نبيّنا المعظّم صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه الأكارم، وذلك بالالتزام بما يلي:-

1- اعتزال الفتنة قدر المستطاع: قال نبيّنا الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم (سَتَكُونُ فِتَنٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه. وَعَنْ سيّدنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ، أَوْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانٌ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ، قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَأَمَانَاتُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا، فَكَانُوا هَكَذَا – وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ – فَقَالُوا: وَكَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ، وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ) الإمام أبو داود رحمه الله جلّ وعلا.

2- كفّ اللسان، قال عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين (إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ قَتْلَاهَا فِي النَّارِ، اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى. وَعَنْ سَيِّدِنَا عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (لَقِيتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقُلْتُ: مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: يَا عُقْبَةُ، أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ وعلا.

3- التمسّك بكتاب الله تعالى وسنّة رسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، فعن سيّدنا عليّ رضي الله تعالى عنه قال: (إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَلَا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، فَقُلْتُ: مَا المَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ابْتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ —) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ في علاه.

4- الإكثار من العبادة والدعاء والأعمال الصالحة، قال الله عزّ شأنه {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 42، 43]. وقال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم على ذاته وصفاته وآله وصحابته (سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ، وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الفِتَنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجَرِ – يُرِيدُ بِهِ أَزْوَاجَهُ حَتَّى يُصَلِّينَ – رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٌ فِي الآخِرَةِ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا، وقال (العبادة في الهَرْج كهجرة إليَّ) الإمام مسلم رحمه الله سبحانه. وقال عليه أفضل الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) الإمام مسلم رحمه الله المنعم جلّ جلاله.

5- صحبة العلماء العاملين رضي الله تعالى عنهم أجمعين للاستفادة من توجيهاتهم وإرشاداتهم، قال الله تبارك اسمه {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وقال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]. وعَنْ سَيّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا، فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْأَبْرَارَ الْأَتْقِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ، الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُعْرَفُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى بَابُ مَنْ تُرْجَى لَهُ السَّلَامَةُ مِنْ الْفِتَنِ.

وسترى في جواب السؤالين المرقمين (729، 832) في هذا الموقع المبارك وصايا أخرى تنفعك بإذن الله جلّ في علاه، ويمكنك أيضا أنْ تراجع أي كتاب من كتب الحديث الشريف فستجد فيها بابا يسمّى (باب الفتن) لتطّلع على المزيد من الأدلة التي إنْ فقهها المسلم وعمل بمقتضاها حماه الله سبحانه ونجّاه من الفتن، اللهمّ إنّا نعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، فاحفظنا يا كبير يا متعال، يا ذا العزة والجلال.

والله تبارك اسمه أعلم.